الاعمدةعادل الباز

مشهد (148)

 

بعد يوم الحفلة ”الخدعة“، كثفت المخابرات المصرية إطلالتها على كافتيريا مرمرة… بدا الدبلوماسي ”حسن“ زبوناً دائماً في مرمرة، وحاول إنشاء علاقة ما مع بلين… كانت بلين تعامله بلطفٍ، كشأنها مع كل الزبائن، ولكنها في قرارة نفسها كانت تتشكَّكُ في أفعال المصريين.

قال حسن لبلين يومها إنه قد رآها برفقة مستثمر لبناني بنادي الخرطوم… فسألته إن كان يعرف ”بديع“… فقال إنه يعرفه من بعيد، فهو من ضمن روَّاد نادي الخرطوم أيضاً… قال لبلين إنه عرف أن ”بديع“ يستثمر الآن في مشاريع زراعية كبيرة، وهو يرغب في خلق علاقة معه يمكن أن تفيده في استخدام عمالة مصرية ماهرة في مجال الزراعة… أنكرت بلين معرفتها بنشاط بديع تماماً، واقترحت عليه أن يسأله شخصياً ما دام هو من روَّاد نادي الخرطوم… أحسَّت بلين منذ الوهلة الأولى أن أسئلة حسن لم تكن بريئة، وأحسَّت برائحة المُخابرات في الأفق، فخبرتها العسكرية تؤهِّلها لاكتساب حاسَّة شم لتمييز تصرُّفات رجال الأمن…

استأذنت بلين من حسن لتنصرف لعملها، فأدرك حسن أن بلين غير راغبة في التعاوُن معه، وعليه أن يبحث عن مداخل أخرى توصله بكارلوس… بعيداً عن الدور الذي تحاول المخابرات المصرية أن تلعبه الآن لصالح فرنسا، فإن المُخابرات المصرية كانت تتابع تحرُّكات كارلوس منذ أعلنه أنه يخطط لاغتيال السادات عقب توقيعه ”اتفاقية كامب ديفيد“ في سبعينيات القرن الماضي.

مشهد (149)

قبل أن يغادر حسن، كان صلاح سعد يجلس في ركن قصي من كافتيريا مرمرة يحتسي كوباً من القهوة ويُشعلُ سيجارته الشهيرة… تهللت بلين وهي ترى صلاح بعد غياب طويل عن الكافتيريا… ذهبت إليه، وبعد السلام، قالت:
– «سألتُ بديع عنك أكثر من مرَّة، وعرفت منه أنك تزوره بالمنزل»…
– قال صلاح: «صحيح، فأوَّل أمس كنت معه»…

تعرف بلين أن صدِّيق هو صديق كارلوس الحميم الذي طالما حدَّثها عن كرمه وشهامته، وحكى لها ما جرى له بعد واقعة فندق كناري، وكيف أن صدِّيق قد أخرجه من ورطة كبرى… كانت بلين تثق بـ”صدّيق“ من أحاديث كارلوس عنه.

الفكرة الشيطانية التي عَشْعَشَت في ذهن صلاح ذاك المساء، وهو في دوَّامة ترحيل كارلوس، هي استخدام بلين في إقناع كارلوس بمغادرة الخرطوم، بتسريب معلومات عن المخاطر التي تتهدَّده فيها… لم يُضِع صلاح وقتاً، فقال لبلين إنه يشعُرُ بقلق على كارلوس، إذ إن مخابرات أكثر من دولة تتابعه بصورة مزعجة، وهو علم ذلك من أصدقائه بجهاز الأمن السوداني…
– قالت بلين إنه لديها نفس الإحساس… وأضافت: «قبل قليل غادر دبلوماسي مصري الكافتيريا، وكان يسأل عنه ويحاول أن يجد مدخلاً له»…
– قال صلاح: «أعرف أن المصريين يراقبونه، وكذلك الفرنسيين، وآخرون… بدأتُ أفكر في أنه سوف لن يكون آمناً»…
– بلين: «نصحته ألا يتحرَّك كثيراً»…
– صلاح: «ذلك لم يعُد كافياً، الخرطوم لم تعُد آمنة، وخاصة أنه مكشوف وبلا غطاء حكومي… مغادرة كارلوس حفاظاً على حياته أصبحت ضرورة… أصدقاء كارلوس وحدهم يمكنهم أن يتفهَّموا المخاطر التي تواجهه. لا أحد يعرف من هو كارلوس، ولا ماذا يمثل»…
– بلين: «ولماذا لا تنصحه؟»…
– صلاح: «بماذا؟»…
– بلين: «بالمغادرة لدولة أخرى توفر له الأمن»…

ارتاح صلاح لذكاء بلين… وهنا عاجلها بإلقاء الطُعم الذي ما جاء إلاَّ من أجله… وقال:
– «نحن السودانيين نتحرَّجُ من ذلك، ونخشى أن يفهم كارلوس هذا الموقف خطأ، فهو ضيفنا… قد يفهم أننا لا نرغب في وجوده، ولا نتحدَّث من باب الخوف عليه… علينا جميعاً كأصدقاء يهمُّنا أمره أن نفكر في طريقة لتأمينه»…
– قالت بلين: «مادمت تشعُرُ بأن الخرطوم لم تعُد مكاناً آمناً، علينا نصحه بالمغادرة لبلد آخر، ولا أعتقد أنه سيرفُض… هناء زوجته ظلت تحدِّثني عن مخاوف وكوابيس تنتابه»…
– أوقفت بلين حديثها حين أشار عليها أحد عمَّال الكافتيريا أن عربة تنتظرها بالخارج، فنهضت مستأذنة صلاح: «عليَّ أن أذهب لأودِّع هناء، فهي ذاهبة إلى المطار الآن… صاحبكَ بالخارج، هل تود أن تسلم عليه؟!»…
– قال صلاح: «لا، تفضلي، ولا تقولي له أنني هنا»…

أومأت بلين برأسها، وغادرت إلى خارج الكافتيريا، وشعر صلاح بارتياح بالغ… لقد أوصل رسالته وهي رسالة أولى لكارلوس من طرفٍ بعيدٍ، حبيبٌ إلى قلبه.

مشهد (150)

ماحدث بالمطار كان مشهداً غريباً .. ففريق الحراسة الذي يتولى أمر كارلوس يتابع تحرُّكاته بدقة… المخابرات المصرية التي وضعت كارلوس تحت رقابة لصيقة كانت حاضرة في المطار… الفرنسيون هناك بدوا في غاية الانزعاج، وخاصة أنهم اعتبروا المفاوضات مع وفد الحكومة السودانية قد فشلت، أو على أقل تقدير أنها محبطة. ومما عقد الأمر، أن السيد فيليب روندو بدا متشدداً في متابعة كل تحرُّكات كارلوس وأمر بوضعه تحت المراقبة 24 ساعة…

ترجَّلت هناء وبلين من السيَّارة، بينما قاد كارلوس السيارة بعيداً للموقف… ولجت هناء وبلين إلى صالة المغادرة ولحق بهما كارلوس وسط قلق بالغ انتاب فُرُق المراقبة السودانية والفرنسية، ورجل المخابرات المصري… على آخر نقطة قبل العبور النهائي، تعانقت بلين وهناء طويلاً، وسالت دموع غزيرة على خدَّيهما، بينما وقف كارلوس، وأتيام المراقبة حائرة من مشهد العناق الحميم… كان إحساس بلين كما عبَّرت عنه لكارلوس، أنها تشعر بأنها المرَّة الأخيرة التي سيُتاحُ لها رؤية هناء، فيما قالت هناء إنها لن تنسى بلين ما حَيَت، ولكنها سوف لن تعود إلى السودان مرَّة أخرى… انتهى فاصل العناق حين توجَّهت هناء لكارلوس ونظرت إليه طويلاً قبل أن تأخذه بين ذراعيها وهي تبكي بكاءً مراً… كانت المشاعر جيَّاشة وتشي بأنها اللحظات الأخيرة التي تجمع هذا الثلاثي أبداً. لأوَّل مرَّة ترى بلين دموع كارلوس وتُحِسُّ بدفء إنسانيته… خنقتها العبرات، فغادرت القاعة مهرولة للخارج، وتبعها كارلوس بعد أن سلم قبلة الوداع على خد هناء، ومضى مسرعاً… تنفَّست أتيام المراقبة الصعداء، وتابعوا عربة كارلوس حتى كافتيريا مرمرة وبقوا في أماكنهم.

مشهد (151)

حكى المحبوب لحسب الله وصلاح قصة دعوة الترابي لتقديم محاضرة عن الحركات الإسلامية في جامعة ”كالا“ بأسبانيا، وتوقفه بباريس لساعتين في رحلة العودة من مدريد، وكان المحبوب مندهشاً من سؤال روندو حول مرور الترابي بباريس، رغم أن الدعوة قريبة جداً، وردَّ مكتب الترابي بالموافقة تمَّ قبل يومين ، ثم إن الحجز للرحلة تمَّ عبر واحدة من الوكالات الأمنية، فكيف استطاع الفرنسيون معرفة برنامج الترابي بهذه الدقة وفي خلال 48 ساعة؟! افاد صلاح أن مخابرات تلك المنطقة تتبادل المعلومات بشكل يومي، المهم لماذا يسأل روندو عن برنامج الترابي؟!
– وأجاب صلاح بنفسه على سؤاله: «لا بد أنهم يفكرون في الاتصال بالشيخ بغرض إقناعه بتسليم كارلوس»…
– قال المحبوب: «قد يكون ذلك صحيحاً، خاصة أنهم حين اتصلوا به للعب دور في قضية الجزائر أبدى استعداداً للعب دور الوسيط»…
– سأل صلاح المحبوب عن: «من سيرافق الترابي في تلك الرحلة؟!»…
– قال المحبوب: « د. نافع وأمين حسن عمر»…
– قال صلاح: «لا بد من تنوير الشيخ ود. نافع بمجريات الأمور قبل مغادرتهما»…
– وأفاد المحبوب أنهم سيغادرون الأسبوع القادم… فقال حسب الله: «المهم أن نُنجز الآن خُطة عاجلة للاتصال باليمنيين لمعرفة مدى تقبُّلهم للفكرة، وفي لبنان لا بدَّ أن نجد طريقة للتفاهُم مع إحدى المنظمات التي ينتمي إليها كارلوس، ولدينا مدخل جيِّد وهُم الحُرَّاس الذين برفقة كارلوس الآن… لا أعتقد أننا سنضيِّع وقتاً مع الأردنيين»…
– صلاح: «اتركوا لي المهمة مع اليمنيين ومهمة معرفة اتجاهات كارلوس في حال أننا طالبنا منه المغادرة، على أن يتولى المحبوب تنوير الشيخ قبل المغادرة، وحسب الله لتنوير نافع حتى لا نفاجأ بالتزامات إذا ما التقى الشيخ الفرنسيين أثناء عودته من مدريد».

مشهد (152)

رَفَضَت بلين الذهاب مع كارلوس إلى المنزل مدَّعية أن الكافتيريا لا تحتمل غيابها الطويل، ولكنها في قرارة نفسها كانت قد أصرَّت على الإبقاء على كارلوس كصديق فقط، فليست هي من تخون صديقتها هناء التي غادرت تواً، كما أنها لن تسمح لنفسها أن تتحوَّل لمجرَّد عشيقة لكارلوس…

منذ أن وصلت بلين للخرطوم، التزمت بأخلاق صارمة تربَّت عليها منذ سني حياتها الأولى، وبَنَتْ شخصيتها المستقلَّة والمستقيمة منذ أن كانت طالبة في جامعة أديس أبابا، قبل أن يُجبرها كفاح شعبها على ترك الجامعة والالتحاق بالجبهة. كانت بلين تعمل وسط الآلاف من المقاتلين وتنام وسطهم، دون أن تحدثها نفسها بما تحدِّث به النساء أنفسهن… كانت نظرات بعض رفاقها على الجبهة تغيظها، ولكنها كانت تتفهَّم الظروف التي يعانونها بعيداً عن زوجاتهن لشهور… نفس تلك النظرات ظلت تلاحقها في كافتيريا مرمرة، ولكنها كانت تعامِلُ الجميع بلُطفٍ وتتفهَّم جوع تلك النظرات لجسدها الغض.

خضع كارلوس لرغبتها، ولم يُلحَّ عليها، وعطف بالعربة لكافتيريا مرمرة… في الكافتيريا، بدات بلين تحكي لكارلوس رحلتها الطويلة مع الغُربة ومدى إحساسها بالخيبة من نتائج كفاحها المُسلح، بل إنها شعرت بعبثيَّة الحياة التي عاشتها…

– قالت لكارلوس: «إن أفضل ما قدَّمته لي الخرطوم أنها منحتني الأمان… إن الأمن هو أفضل ما يمكن أن يمنحه الرب للإنسان… بالمناسبة، بالأمس جاءني دبلوماسي مصري وسألني عنك.. ادَّعى أنه رآنا في نادي الخرطوم ولكنه يناديك باسم ”بديع“… عموماً أنا تشكَّكتُ في أمره»…
– قال كارلوس: «بل يعرفني تماماً، فهو نفسه الذي طارد ليلى من قبل… أعرف أن المخابرات المصرية تراقبني لمصلحة الفرنسيين الذين يراقبونني أيضاً، وكذلك الأمريكان، كلهم يراقبونني»…
– وصلت بلين للمحطة التي منها ستنطلق، فعاجلته بالسؤال: «ألا تفكر بأنهم يمكن أن يؤذوك؟»…
– كارلوس: «مطاردة المخابرات لا تزعجني، فأنا منذ عشرا السنوات طريدتهم المفضلة»…
– بلين: «ولكنك كنت آمناً في حماية رفاقك في المنظمات، أو تحت رعاية دولة، الآن لا يبدو لي أن الدولة توفر لك الحماية»…
– كارلوس: «الله وحده يحميني… ثمَّ إنهم لن يستطعيوا المساس بي لأن رفاقي سيُشعلون العالم إذا أصابوني بمكروه»…
– بلين: «لماذا تنتظر أصلاً أن يصيبوك بمكروه؟ لماذا لا تفكر في البحث عن مكان آمن؟»…
– نظر كارلوس إلى بلين في عينها وأمسك بيديها قائلاً: «أتخافين عليَّ؟»…
– بلين: «إذا لم أخف عليك فعلى من أخاف؟»…
– رَبَتَ كارلوس على كتفها قائلاً: «لا تخافي، سأتدبَّر أمري جيداً»…
– بلين: «لو أنك سمعت كلام هناء وذهبت لبيروت»…
– كارلوس: «بيروت لم تعُد آمنة… رفاقي هناك يدعونني، ولكني سأصبح عبئاً عليهم ولا أرضى لنفسي هذا الوضع… لا أفكر في مغادرة الخرطوم الآن ،فمن هنا بإمكاني قيادة منظمة الثوريين العالميين… هل ستقبلين عضويتها؟»…
– بلين: «ليس في عمري ما يكفي لبداية جديدة»…
– كارلوس: «لماذا هذا اليأس، أنت تصغرينني بخمسة عشرة عاماً»…
– بلين: «أنت لا زلت مقبلاً على الحياة… أنا تركت مستقبلي خلفي… كل طموحي الآن غرفة تأويني وعمل يسترني، المهم أنني أشعر بقلق شديد عليك، فحاول أن تفكر بمكان آمن؟»…
– كارلوس: «يسعدني عطفك هذا ، تذكِّرينني بـ”سونيا“، كانت أكثر حناناً عليَّ من أمي… لابدَّ أن أغادر الآن، تُصبحين على خير»…

ودَّعت بلين كارلوس وهي مشفقة عليه من أحلام النضال التي لم تغادره منذ كان شاباً في حواري كراكاس إلى أن أصبح كهلاً في أزقة الخرطوم.

يتبع

Comment here