سرج سابح..

د. وائل احمد خليل الكردي
حكا الفيلسوف الانجليزي (جيلبرت رايل) Gilbert Ryle في محفل فلسفي قصة الفلاحين في بلدة نائية قد اذهلتهم صافرة القطار البخاري وهو يتحرك لأول مرة يشاهدوه فيها ، وكيف أن مطران كنيستهم جمعهم في محاضرة شرح لهم فيها كيف تعمل الآلة البخاري . فقام أحد الفلاحين وقال “نعم سيدي المطران ، نحن قد فهمنا تماماً كل ما قلته عن الآلة البخارية ، وأنه بالفعل هنالك حصان حي داخل تلك الآلة يدفعها ، أليس كذلك ؟” ..
إن هذا الفلاح البسيط لم تيسر له نشأته وبيئته من حوله أن يتصور قط أن تتحرك آلة حديدية من غير أن تجرها خيول ، وبالتالي فكل ما قد عناه تطور الآلة البخارية لديه أن الحصان لم يعد يقود القاطرة من الخارج وانما من الداخل ، هذا منتهى ما وصل إليه عقله في الاستدلال . وبالرغم مما يبدو من سذاجة الفكرة لأول وهلة إلا أنها تحمل دلالة باطنة وهي ان عناصر حضارة وافدة ليس من السهل ان تجد استجابة لها من الحضارة القائمة، ولكن هذا لا يمنع ان من يعش قد يجد في الايام التالية البعيدة اختلافا كثيرا .
لقد ذهب البعض ان الحضارات يمكن ان تندثر تحت حضارات اخرى تفرض سلطتها بالقهر.. وذهب بعض اخر الى ان اي حضارة لا يمكن ان تندثر بالمطلق ولا تموت بعد ان وجدت وحتى لو تسلطت عليها حضارة اخرى اقوى فانها ستعيش بكامل مكوناتها وعناصرها تحت طي تلك الوافدة حتى وقت معلوم تكون لها فيه الفرصة لتخرج الى العلانية من جديد.. ولكننا يمكن ان نرى نرى الامر من زاوية اخرى ونسلك طريقا وسطا بين هذين الاتجاهين متوافقا مع الطابع العام للفكر المعاصر الذي يدمج بين الذات والموضوع بصدد اي نشاط تفاعلي، فندمج بدورنا بين الوافد والقائم، فان حضارة لا تندثر تحت حضارة اخرى وان حضارة لا تمسخ حضارة غيرها بالكلية وانما يحدث تداخل وتمازج بينهما، وربما يغلب طابع احد الاطراف المتمازجة اكثر من الاخر ولكن في الاخير يظهر هذا المزيج في شكله العام بمظهر فريد مميز ومختلف، فالحضارات الفينيقية والبابلية والاشورية مثلا لم تندثر تحت الحضارة العربية الوافدة عليها من جزيرة العرب حيث غلب طابع الثقافة العربية الجديدة على تلك الحضارات القديمة منذ ذلك الحين وحتى عصرنا الراهن ولكن برغم السمات المشتركة التى باتت بين جميع الداخلين تحت الحضارة العربية في اللغة والثقافة والمشاعر والعادات الا ان المظهر العام للثقافة الحضارية لكل شعب من تلك الشعوب نتيجة المزج بين القديم والجديد يبقى مظهرا مميزا خاصا في طريقة الحياة ولهجة استخدامهم للغة العربية وفي السمات الوجدانية الانفعالية بوجه عام.. كذلك هناك في بلاد المغرب العربي التي خضعت لاستعمار استيطاني ثقافي حرص على فرض لغته وثقافته وفكره وحتى مزتجه النفسي ورغم ذلك لم تندثر حضارة شعوب المغرب العربي تحت حضارة فرنسا الوافدة وانما تمازجت معها فصارت الشعوب المغربية اليوم ليست هي ايام كانت في الماضي كما انها لم تصبح شعوبا فرنسية.. وايضا مثل اخر في بلاد امريكا الجنوبية فليست هي اليوم بحضارة الهنود الحمر ولا هي بحضارة اسبانيا والبرتغال وانما صدرت كمزيج معاصر غريب وفريد وخاص وسم بلاد البرازيل والارجنتين وبيرو وغيرها..
ولكن يجب ان نسلم بان هذا التمازج بين حضارات مختلفة في مكان واحد هو في الاخير وعلى كل حال يمثل (تغييرا) ما في هوية هذا المكان وليس (تطويرا) مطردا لهذه الهوية، بحيث يكون الشكل الجديد الواقعي لهذه الهوية ذات التمازج الحضاري الثقافي شكلا مختلفا عما كان قبلا وقد يبدو بعيد الصلة نوعا ما عن شكلها القديم، وربما يكون هذا الشكل الجديد حميدا محمودا وربما يكون خبيثا.. والشاهد في احوال عصرنا انه كثيرا ما يكون خبيثا. ومن قبيل هذا الشيء الخبيث ان هذا التمازج كثيراً ما ادى الى تغيير ديموجرافيا بلد ما فتصير توزيعات سكانه مختلة نسبة الى موارده، والاخطر من هذا هو التحولات الاخلاقية والسلوكية التي تورثها هذه الديموجرافيا الجديدة حيث يزرع اناس انفسهم في ارض ليست بارضهم وفدوا اليها بكثافة عالية بدافع تلبية المصالح الشخصية البحتة او بدافع اللجوء والهجرة فاحدثوا فيها سلوكياتهم واخلاقيتاتهم وعاداتهم وتقاليدهم وبدعوى انهم المواطنون الجدد فان لهم اخذ كافة الحقوق. هكذا، حتى يفقد المكان هويته الحقيقية ليصبح كائنا مشوها او يكاد، ويحدث ذلك خصوصا في البلاد التي تعاني ضعفا كبيرا في نظم الادارة المجتمعية والحكم فلا يمكنها ان تفرض بصورة كافية نظما وقوانين تحفظ هوية البلد الحقيفية ويرضخ لها كل وافد مستوطن.. لقد خلق الله البشر على هيئة شعوب وقبائل وهو ما يحفظ هوية المكان على مدى الزمان وبسمح بالتعارف بينها ويسمح بتطوير الذات، فهل غيرنا سنة الله في خلقه..
ان ما خشينا منه ان حالنا في بلدنا صار على قول التعبير السوداني (دجاجة الشارع طردت دجاجة البيت). واكثر من هذا، كمن استضاف اخا في داره اياما فجعل صاحب الدار في غفلة يوقع له على اوراق رهنه للدار دون ان يعطي خأئنة لأخاه ذاك بل ربما افرط في الثقة، فاذا به يفقد منزله ويبقى خارجا بعد ان استحوذ الضيف على البيت احتيالا بكل ما فيه ثم هو يغيره بما شاء كيفما شاء فلا يعود الاخ اخا بعد ذاك.. فمتى نحن صرنا اغرابا في ديارنا فسيان سيكون امرنا إن رحلنا ام بقينا، فكل ارض حينها تبيت غربة لنا ونصير في الدنا على سرج سابح.. ومن الله اللطف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.