حشد الهراء في دستور (2)

في ما أرى
عادل الباز

1
الناظر لنصوص المواد الواردة في مقترح الدستور يكتشف بسهولة تكتيكات الاستهبال السياسي والقانوني الذي اكتنف ذلك المقترح حتى أنك لتشك أن مَن وضعوا تلك النصوص، وبخلاف قدراتهم المتواضعة في تأليف هذا الهراء، تشك في أن لهم علاقة بالقانون أصلاً، فديباجة مسودة الدستور تتناقض مع النصوص التالية وتنسفها نسفاً، وحتى وثيقة الحقوق التي أكدت مسودة الدستور على تبنيها، نسخت فى أغلب الأبواب التالية ونزعت كل تلك الحقوق الأساسية كما سنرى. على أن أعجب ماجاء فى تلك الوثيقة الهراء هو ماورد بشأن اتفاقية جوبا حيث يتجلى الاستهبال السياسي والغش. سأخصص هذا المقال للنظر في وضع اتفاقية جوبا في الدستور المقترح.
2
قبل أن نشرع في فحص المواد التي تخص الاتفاقية، كانت هناك مادة حاكمة في اتفاقية جوبا للسلام نسفها هذا الدستور إبتداءً. إقرأ ماجاء في المادة 24 (1)
اتفق الطرفان على إدراج اتفاقيات السلام الموقعة في الوثيقة الدستورية وفى حال ( التعارض يُزال التعارض بتعديل الوثيقة الدستورية.). هكذا أصبحت اتفاقية جوبا أعلى من الوثيقة الدستورية بل حاكمة لها، الدستور المقترح نسف مرجعية اتفاقية جوبا ولم يشر إلى التزامه بالامتيازات التي وفرتها اتفاقية جوبا لأطرافها من حيث أنصبتها في السلطة وأفراد جيوشها الشيء الذي يشي بأن وراء الأكمة ماوراءها وخاصة أنهم في الإعلان الدستوري الذى سبق مقترح الدستور قد ألحوا على تعديلها بموافقة الحركات المسلحة.!!.
3
في الباب الأول ( أحكام تمهيدية) الفصل الأول 4/1… نص الدستور المقترح (تعتبر إتفاقية جوبا للسلام جزءً لايتجزأ من هذا الدستور).. حسنا فعلوا أن ثبتوا الاتفاقية في مقترح دستورهم .تلك الاتفاقية التي لطالما ما عارضوها وكرهوها ولعنها قادتهم من على المنابر وخرج أخيراً السيد على الريح السنهوري مطالباً بتعديلها.!!.
4
ذكروا اتفاقية جوبا في الباب التمهيدي من الدستور ثم عادوا ونسفوها نسفاً ، ففي كل المواد الأخرى من الباب الأول إلى الأخير نجد أن الدستور رهن كل السلطة بيد مَن أسماهم الموقعين على الإعلان الدستورى.. من هم؟……أسأل العنبة؟. ما وزنهم ما مشروعيتهم.؟. السؤال ممنوع.
المقترح اللا دستوري منح قوى مجهولة الهوية الحقوق التالية.. حق تعيين مجلس السيادة من رئيسه لأصغر عضو فيه/ حق تعيين رئيس الوزراء / حق تعيين كل الأجهزة القضائية /حق تعيين النيابة العامة / تكوين المفوضيات/… باختصار بناء على نصوص مقترح دستور اياه تم تسجيل الدولة بكل مؤسساتها ملك حر للسادة الموقعين على ما أسموه الإعلان السياسي ….
الحركات المسلحة وأطراف اتفاقية جوبا لم ولن يوقعوا على هذا الهراء ويعني ذلك – بحسب نص دستورهم – أنهم خارج دائرة الفعل السياسي تماماً مثل المؤتمر الوطني.. وبذا ينبغي تعديل العبارة الغبية والقميئة اللاديمقراطية (ماعدا المؤتمر الوطني) لتصبح ماعدا الوطني والموقعين على اتفاق جوبا!!.
والوضع هكذا فكيف يكون اتفاق جوبا جزء لايتجزأ من الدستور وأطراف اتفاق جوبا لم يوافقوا ويوقعوا عليه، ولايثقون بالذين سيوقعون عليه ولا يلزمهم في شيء .؟! شفت الاستهبال السياسي… فما يمنحونه باليد اليمنى يسحبونه باليسرى.. ذات الفكرة، النخب الشمالية المستهبلة تشتري الدجاجة وتبيع ريشها.. معقول!!. لكن على مين.. الزمن اتغير ولحسن الحظ أن مثل هذا التحايل لن ينطلي على قادة الحركات المسلحة فهم أذكى وأوعى سياسياً وأنضج من ثلة الناشطين الذين عبثوا بالدولة والآن يمضون في ذات الطريق، خيانة العهود والمواثيق بالاستهبال..
قادة الحركات المسلحة لا يمكن إخافتهم بالشارع كما لا يمكن الضغط عليهم بثلاثية أو رباعية قدها ثلاثي، ولذا فإن موقفهم من الدستور المقترح سيكون الرفض ولن يوقعوا على خازوق ينسف كل ماحصلوا عليه في اتفاق جوبا مهما تكاثقت عليهم الضغوط أو التهديدات.
5
بعضهم يقول إن الموقعين هم قوى الثورة.. سمح، ولكن قوى الثورة فرع وين؟.. فرع شارع باشدار حيث اللاءات الثلاث ؟ أم فرع فولكر عضو قحت؟ أم هم أولئك الذين يغردون في فرع الثلاثية والرباعية ليل نهار.؟
يمكننا القول أن الذين سيوقعون على الإعلان السياسي هم قحت وبعض الهوام الذي لايرى تحت أي مجهر سياسي.!!. تصور أن هؤلاء تحت لافتة الثورة يسعون لاحتكار السلطة مجاناً لمدة ثلاث سنوات مقبلة وإقصاء كل الآخرين ويجهضون اتفاق جوبا الذي يعني عودة الحرب…كل ذلك دون أن تحاصر دباباتهم القصر وليس لهم جماهير مليونية تحتشد في باشدار!!. المدهش أن أحزاب الغيهب يوقنون أن ذلك سيحدث لأنهم أولاد الغرب الليبرالي العلماني وأحباؤه ويتوهمون أن الحشد الغربي الذى يعزف خلفهم الأوركسترا سيرعب الجيش والحركات والإسلاميين والشيوعيين وكل قوى المجتمع الأهلي والأحزاب الأخرى، وسيصعد بهم إلى عرش السلطة مجدداً رافعين رايات النصر والتفكيك والتمكين.. وليفعلوا ما يشاؤون بالشعب.!!.ما أكثر الأوهام في هذه الوطن الملهم.!! نواصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.