السودان – اليوم التالي
مهند عوض محمود
شهدت جوبا خلال الأسابيع الأخيرة واحدة من أعمق عمليات إعادة الهيكلة منذ انفصال جنوب السودان، حين أقدم الرئيس سلفاكير ميارديت على تفكيك شبكات نفوذ اقتصادية–أمنية ترسّخت داخل الدولة على مدى سنوات، وأعاد توزيع السلطة داخل الجيش، والاستخبارات، والمالية. لم تكن هذه الخطوات مجرد تعديلات إدارية، بل كانت «هندسة سلطة» تستبق مرحلة سياسية حساسة تتعلق بالخلافة، وبوحدة الحركة الشعبية، وبخطر تشكّل مراكز قوة موازية داخل الدولة.
أول حلقات هذا التحول تمثلت في إسقاط نفوذ بنجامين بول ميل كول، الشخصية التي جمعت بين المال والسياسة والأمن بصورة جعلت منه أحد أقوى رجال الدولة دون أن يحمل منصباً دستورياً رفيعاً. ومن المهم التنبيه إلى أن بنجامين لم يكن نائباً للرئيس كما يعتقد البعض، لكنه مارس نفوذاً فعلياً يفوق نفوذ كثير من شاغلي المناصب الرسمية. فقد حصل عبر شركة «ABMC» على عقود بنى تحتية تتجاوز قيمتها 1.7 مليار دولار لمشاريع لم تُنجز، وفق تقارير دولية؛ وبنى شبكة مصالح معقدة امتدت إلى داخل الأجهزة الأمنية، وارتبطت بنشاطات اقتصادية غير رسمية وصلت آثارها إلى الحدود السودانية. ومع ارتفاع مؤشرات تحوله إلى مركز قرار موازٍ، وربما مرشح غير معلن في ترتيبات ما بعد سلفاكير، جاءت خطوة خفض رتبته إلى جندي وطرده من جهاز الأمن الوطني كضربة جراحية داخلية تعيد مركز القوة المالي– الأمني إلى قبضة الرئاسة.
وبالتوازي، أعاد سلفاكير بناء جهاز الاستخبارات العامة، وهو الجهاز الذي يضطلع بمتابعة البيئة الأمنية والسياسية والاقتصادية للدولة، بما في ذلك النشاط المالي غير الرسمي وملفات التوازنات داخل الجيش. خلال السنوات الماضية، تعرّض الجهاز لاختراقات مصالح وولاءات متداخلة من رجال أعمال وفاعلين قبليين، الأمر الذي استدعى إقالة مديره سايمون يين ماكواك ومعه خالد بطرس بورا، وتعيين اللواء ثوي تشاني ريات لضمان إعادة الجهاز إلى وضعه الطبيعي كأداة أمنية خاضعة لمركز القرار دون تشعبات خارجية.
أما الجيش، فقد حظي بنصيبه من إعادة الهيكلة. فإقالة القائد العام بول نانغ ماجوك وتعيين الفريق داو أوطور جوك جاءت بهدف إعادة الانضباط للسلسلة القيادية، ومنع أي تشكل لكتل ضباط ترتبط بعلاقات متداخلة لا تخدم استقرار المؤسسة العسكرية. اوطور جوك من الضباط الذين ينتمون إلى المدرسة العسكرية التقليدية، ويمتلك خبرة طويلة في المناطق الحدودية، ويُنظر إليه كشخص قادر على إعادة ضبط الوحدات وإبعادها عن نفوذ المال والعلاقات غير الرسمية.
وفي سياق إعادة التوازن داخل الحركة الشعبية، جاء تثبيت توت قلواك مستشاراً للأمن القومي، لا باعتباره رجل السودان داخل جوبا، بل باعتباره نقطة توازن داخلية بين الدينكا والنوير. فالرجل ذو شبكة نفوذ واسعة داخل الجيش والحركة، ويمتلك خبرة طويلة في إدارة اللحظات الانتقالية الحساسة. ومع ذلك، فإن وجوده في الموقع الأمني الأعلى ينتج تلقائياً تأثيراً على ملفات السودان بحكم خبرته الطويلة بتعقيدات الحدود والعلاقات بين البلدين.
كما طالت التغييرات القطاع المالي، بإقالة وزير المالية أثيان دينغ أثيان وتعيين برنابا باك شول. هذه الخطوة جاءت لإغلاق واحدة من أهم بوابات التمويل غير الخاضعة للرقابة، التي استُخدمت لسنوات في نشاطات اقتصادية موازية، بعضها يمتد باتجاه الحدود السودانية عبر تهريب السلع والذهب والصمغ العربي الذي وصل فعلياً إلى ميناء مومباسا الكيني عبر مسارات غير قانونية.
تداعيات هذه التغييرات، رغم أنها نابعة من دوافع داخلية مرتبطة بأمن النظام ووحدة الدولة، ستصل إلى السودان بصورة طبيعية، لأن الخرطوم وجوبا ترتبطان عبر شبكة مصالح متداخلة: أطول حدود مفتوحة في المنطقة، تجارة عابرة رسمية وغير رسمية، مجتمعات تماس مترابطة، و—الأهم— شريان نفطي واحد يربط مصير البلدين.
فالسودان يحصل على نحو 16 دولاراً عن كل برميل نفط جنوبي يعبر أراضيه، وهي إيرادات مباشرة يحتاجها الاقتصاد السوداني، بينما يعتمد جنوب السودان بالكامل تقريباً على هذا الخط لغياب منفذ بديل. أي خلل في استقرار جوبا أو توسع نفوذ جماعات خارجة عن السيطرة كان سيعني تهديداً مباشراً لهذا الشريان. ولذلك فإن إحكام سلفاكير السيطرة على مؤسسات الدولة، وتقليص نفوذ المجموعات غير الرسمية، يعزز استقرار الضخ النفطي ويعيد ملف الطاقة إلى موقعه بوصفه أهم المصالح المشتركة بين الخرطوم وجوبا.
ولأن التحولات الكبرى تفتح فرصاً إذا أُحسن التقاطها، وتخلق تهديدات إذا أُهملت، فإن أمام السودان اليوم نافذة استراتيجية نادرة. فوجود قيادة جنوبية أكثر مركزية وانضباطاً يسمح بوضع ترتيبات ثنائية واضحة تشمل:
1) إعادة تفعيل اللجان الوزارية المشتركة بين البلدين واستعادتها لدورها كمنصة لصياغة سياسات منسقة في التجارة والأمن والطاقة.
2) بناء تعاون مؤسسي بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية يضمن تبادل المعلومات بصورة منتظمة، بما يغلق المسارات غير القانونية عبر الحدود.
3) وضع خطة مشتركة لضبط الحدود وإغلاق منافذ التهريب التي تستنزف اقتصاد البلدين وتفتح الباب أمام الجريمة المنظمة.
4) منع عبور المقاتلين والمرتزقة عبر الحدود الذين يستخدمون الأراضي الجنوبية للوصول إلى السودان للقتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع الإرهابية.
5) إنشاء آلية مشتركة لحماية خط أنابيب النفط تضمن استمرارية الضخ وعدم تأثره باضطرابات داخلية في أي من البلدين.
6) تنظيم التجارة العابرة للحدود بما يحمي المجتمعات الحدودية من تقلبات اقتصاد الظل ويمنح الولايات الحدودية استقراراً اقتصادياً أكبر.
هذه الخطوات لم تعد خياراً مؤجلاً، بل جزءاً من ضرورات البقاء والاستقرار الوطني، فالتحولات التي تجري داخل جنوب السودان يمكن أن تتحول إلى فرصة ذهبية أو عبئاً ثقيلاً. والمبادرة اليوم بتنسيق مؤسسي متماسك قد تجنب السودان — على المدى القريب — فاتورة أمنية واقتصادية باهظة كان يمكن تفاديها بحسن التقدير وسرعة الحركة.
المشهد في جوبا يُعاد تشكيله الآن… بهدوء، لكن بعمق. والسؤال ليس عمّا يفعله الجنوب، بل: هل السودان مستعد لالتقاط اللحظة قبل أن تتجاوزَه؟.
وفقا لمصادر وكاله المحقق الإخبارية.
