مهند عوض محمود – اليوم التالي
سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026 لا يمكن النظر إليها بوصفها وثيقة سياسات عادية، بل باعتبارها مؤشراً على تحوّل واضح في طريقة إدارة الشأن النقدي ؛ ولا يُقصد بعبارة (دخل الظل) لغة العسكر حين تُحرَّر منطقة من المليشيا الإرهابية، وإنما توصيف مهني لحالة انتقل فيها القرار النقدي من الارتجال والتجريب إلى قدر أعلى من الانضباط، وأصبح يُدار بهدوء واستقلال نسبي، وفق الوظيفة الطبيعية للبنك المركزي كمؤسسة مسؤولة عن ضبط السيولة، واحتواء التضخم، وحماية سلامة الجهاز المصرفي، ورسم سياسات تتلاءم مع طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد.
ويُحسب لقيادة البنك المركزي، وعلى رأسها الأستاذة آمنة ميرغني، أن الوثيقة جاءت بلغة واضحة وخالية من الشعارات، وركّزت على جوهر وظيفة البنك المركزي وأدواته ؛ ويعكس هذا التوجّه فهماً أدق لطبيعة المرحلة الاقتصادية، وسعياً لترسيخ عمل مهني منضبط يتناسب مع واقع معقّد يتطلب سياسات واقعية قابلة للتنفيذ
وقد أولت الوثيقة اهتماماً بدعم القطاعات الإنتاجية بوجه عام، باعتبارها الأساس الحقيقي لزيادة العرض في السوق وتحقيق الاستقرار النقدي ؛ ويشمل هذا التوجّه مختلف الأنشطة الإنتاجية، بما فيها الزراعة والصناعة، وهو ما يتسق مع طبيعة دور السياسة النقدية التي تضع الإطار الداعم وتترك تفاصيل التنفيذ للسياسات المالية والجهات المختصة. غير أن الأثر العملي لهذا الدعم يظل مرتبطاً بمدى تهيئة البيئة المحيطة بالإنتاج، ولا سيما ما يتعلق بكلفة الرسوم والإجراءات.
وفي ما يتصل بالصادرات، ركّزت السياسات على تشجيع الصادر وتنظيم حصائله باعتباره مصدراً رئيسياً للنقد الأجنبي، من خلال توجيه الجهاز المصرفي لدعم هذا النشاط. غير أن المصدرين يواجهون تحديات تنفيذية تتعلق بتعدد الرسوم واختلاف الإجراءات بين الولايات، الأمر الذي يرفع كلفة السلع السودانية ويُضعف قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية. وفي هذا السياق، لا تكمن الإشكالية في السياسة النقدية ذاتها، بل في غياب التنسيق مع الجهات التي تتحكم فعلياً في كلفة الإنتاج والتصدير.
فعلى سبيل المثال، تتجاوز كلفة طن الفول السوداني واصل ميناء بورتسودان 1,300 دولار، في حين لا يتجاوز سعره العالمي 950 دولاراً، وهو ما يضع السودان في موقع تنافسي ضعيف أمام دول مثل السنغال، فضلاً عن تشاد التي إلى جانب إنتاجها المحلي، تمر عبر أراضيها كميات من الفول السوداني القادم من نيالا بغرب دارفور وصولاً إلى ميناء دوالا الكاميروني. وينطبق الأمر ذاته على السمسم، الذي بدأت أسعاره مستقرة قبل أن ترتفع سريعاً، ليتجاوز سعر القنطار في القضارف 160,000 جنيه، فتصل كلفة الطن واصل بورتسودان إلى اكثر من 1,200 دولار بعد المرور بسلسلة من الرسوم والجبايات، في حين يُعرض السمسم البرازيلي بما لا يتجاوز 950 دولاراً واصل إلى ميناء المستفيد. والأمر نفسه ينسحب على القطن، الذي يواجه منافسة حادة من القطن اليوناني. في مثل هذه الحالات، لا تفشل سياسة البنك المركزي، بل تُجهض بفعل غياب التنسيق مع الجهات التي تفرض هذه الرسوم، وعلى رأسها حكومات الولايات.
كما تناولت الوثيقة قطاع الذهب بوصفه مورداً مهماً من موارد النقد الأجنبي، وأكدت أهمية تنظيم التعاملات المرتبطة به ضمن الإطار المصرفي الرسمي، بما يساهم في تعظيم حصائل الصادر ودعم الاستقرار النقدي. ويعكس هذا التوجّه إدراكاً عملياً لطبيعة الاقتصاد السوداني، حيث يظل الذهب أحد أهم مصادر العملات الأجنبية، غير أن تحقيق الأثر الكامل لهذا المسار يظل مرتبطاً بتقليص الفاقد خارج القنوات الرسمية، وبالتكامل مع السياسات المالية والرقابية.
ومن النقاط اللافتة في الوثيقة الإشارة إلى تمويل مشروعات إعادة الإعمار، ولا سيما تلك المرتبطة بالخدمات الأساسية مثل المرافق الصحية والمؤسسات التعليمية، في إطار دعم النشاط الاقتصادي وإعادة تشغيل البنية الخدمية. كما أشارت الوثيقة إلى ألواح وبطاريات الطاقة الشمسية ضمن ما يتعلق بالاستيراد، بما يعكس اهتماماً بتوفير مدخلات الطاقة اللازمة للنشاط الاقتصادي في ظل التحديات القائمة. ويتقاطع هذا التوجه مع أهمية كهربة المشروعات الزراعية، لا سيما في ولايتي الشمالية ونهر النيل، وتوفير بدائل الطاقة بما يقلل كلفة الإنتاج على المديين المتوسط والبعيد.
ومن النقاط المهمة التي تناولتها السياسات مسألة مجالس إدارات البنوك، حيث أكدت أن إصلاح الجهاز المصرفي لا يكتمل من دون إصلاح من يتخذ القرار داخله. ويُظهر الواقع أن تعثر بعض البنوك لم يكن نتيجة نقص التمويل فحسب، بل بسبب ضعف الحوكمة وسوء تقدير المخاطر داخل مجالس إدارات لم تمارس دورها كما ينبغي. ولم يعد مقنعاً تحميل الإدارات التنفيذية وحدها المسؤولية، إذ إن مجلس الإدارة هو الجهة التي تعتمد السياسات وتتحمل المسؤولية النهائية عنها.
كما أن سياسة دمج البنوك المتعثرة تُعد خطوة صحيحة ومطلوبة، لكنها لن تحقق أهدافها إذا لم تُرافق بإصلاح حقيقي لمجالس الإدارات ؛ فدمج مؤسسات ضعيفة من دون معالجة أسلوب إدارتها يعني عملياً نقل المشكلة من كيان صغير إلى كيان أكبر.
وفي هذا الإطار، يبرز كذلك ملف الشركات المملوكة أو التابعة للبنوك التجارية، والتي تمثل أحد أبرز مظاهر تشوه المنافسة في السوق، إذ تعمل ككيانات تجارية تتمتع بامتيازات غير متاحة للقطاع الخاص، مستندة إلى ثقل البنوك المالكة لها وسهولة الوصول إلى التمويل، وأولوية التعاملات المصرفية، وتوفر المعلومات التجارية ودراسات السوق عبر العملاء، فضلاً عن كلفة رأس مال أقل من السوق، واستحواذها على جزء معتبر من الودائع. ويخلّ هذا الوضع بمبدأ تكافؤ الفرص، ويحوّل البنوك من ممولين إلى لاعبين مباشرين في النشاط التجاري، بما يفتح الباب لتضارب المصالح ويقوّض دور رجال الأعمال في قيادة الاستثمار الحقيقي والإنتاجية.
وفي ما يتعلق بإدارة السياسة النقدية، حدّدت الوثيقة دور البنك المركزي بوضوح من خلال حصر أدواته في ضبط السيولة، وتنظيم عرض النقود، والسيطرة على التضخم، وحماية سلامة الجهاز المصرفي، من دون تحميله مسؤولية تمويل الإنفاق العام. ويُعد هذا التحديد خطوة صحيحة من حيث المبدأ، غير أن فعاليته تظل رهينة بوجود انضباط مالي عام يحدّ من الضغوط التي قد تنتقل إلى الجهاز المصرفي في حال غياب سقوف واضحة للعجز، خاصة في ظل الظروف الأمنية والعسكرية التي تمر بها البلاد، والتي قد تجعل لجوء الدولة إلى الاستدانة من النظام المصرفي أمراً مرجحاً.
أما التحول الرقمي وتقليل التعامل النقدي، فقد أثبتا نجاحهما العملي، وأصبحا جزءاً من السلوك اليومي للتجار والمواطنين، وأسهمَا في تسهيل المعاملات وتعزيز كفاءة النظام المصرفي. ويُعد هذا المسار أحد نقاط القوة التي يمكن البناء عليها وتطويرها في المرحلة المقبلة.
ويبقى التحدي الحقيقي لهذه السياسات غير مرتبط بسلامة توجهها العام، بل بواقع تطبيقها. فالبنك المركزي يضع الإطار العام ويوجّه الجهاز المصرفي، بينما يتم التنفيذ في بيئة تتداخل فيها صلاحيات جهات متعددة، وتتنوع فيها الرسوم والجبايات والإجراءات، لا سيما على مستوى الولايات. وهنا تتسع الفجوة بين ما تنص عليه السياسات وما يواجهه الاقتصاد فعلياً على أرض الواقع.
ولضمان الانتقال من السياسات إلى تنفيذ فعلي يحقق أهدافها، تبرز الحاجة الملحّة إلى تنسيق مؤسسي جاد بين البنك المركزي والجهات ذات الصلة بالتطبيق على الأرض، وفي مقدمتها ديوان الضرائب، وهيئة الجمارك، واتحاد أصحاب العمل، وهيئة الأمن الاقتصادي، وحكومات الولايات. فهذا التنسيق ليس شكلياً، بل شرط أساسي لتحويل السياسات النقدية من إطار نظري سليم إلى أثر اقتصادي ملموس، عبر توحيد الرسوم والإجراءات وتقليل كلفة الإنتاج والتصدير.
وخلاصة القول إن سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026 تعكس توجهاً مهنياً أكثر انضباطاً وفهماً أعمق لطبيعة المرحلة الاقتصادية، وتضم محاور مهمة تمتد من دعم الإنتاج والصادر والذهب، إلى إعادة الإعمار والطاقة، وإصلاح الجهاز المصرفي. غير أن نجاح هذه السياسات يظل مرهوناً بقدرة الدولة على تحسين التنسيق بين مؤسساتها، وتقليص الفجوة بين النص والتطبيق، وبناء مسار تدريجي أكثر استقراراً للاقتصاد وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.
