مهند عوض محمود ـ اليوم التالي
لم يكن لقاء الأمس في منزل السفير السوداني بالقاهرة، الفريق أول ركن مهندس عماد عدوي، لقاءاً عادياً أو مناسبةً اجتماعية، بل كان حدثاً سياسياً بامتياز جمع رئيس الوزراء البروفسور كامل إدريس ووفداً رفيعاً ضم وزير الخارجية السفير محي الدين سالم، ووزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم، ووزير الزراعة والري البروفسور معتصم قرشي، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل. وقد تلقيت دعوة كريمة من السفارة لحضور هذا اللقاء الذي انعقد في حديقة منزل السفير، وضم أطيافاً واسعة من السودانيين في مصر: ممثلين للمجلس الأعلى للجالية، ونائب مجلس الأعمال المصري السوداني، ورجال أعمال، وأعضاء من غرفة التجارة والصناعة، ورموزاً إعلامية يتصدرهم الدكتور عمر الجزلي، ومبدعين بارزين في مقدمتهم السفير علي مهدي والفنان كمال ترباس، إضافة إلى نخبة من الصحفيين والكتّاب.
كان اللقاء منظماً وجميلاً، لكن برودة الليل الشتوي فرضت حضورها في خواتيم السهرة رغم انتشار الدفايات، فاختلط جمال اللقاء بقسوة الطقس في ساعة متأخرة من الليل .
ولن أخوض هنا في تفاصيل التنوير الذي قدمه رئيس الوزراء وتلاه وزير المالية ثم وزير الخارجية، فالإعلام سيغطي تلك الجوانب بطبيعة الحال. ما يعنيني حقاً هو سؤالان محددان تمنيت أن أطرحهما عندما فُتح باب الأسئلة، لكن إدارة الحوار التي تولّاها الإعلامي القدير محمد عبد القادر تحولت من أسئلة قصيرة إلى مداخلات طويلة عرقلت الزمن وأفقدت الجلسة غرضها. بعض المتحدثين جاءوا ليقدموا روايات مطوّلة عن اللجان والجهات التي يمثلونها بدلاً من طرح أسئلة واضحة، فضاع الوقت واشتد البرد، فقررت أن أكتب ما أردت قوله هنا، عبر موقع “المحقق” الواسع الانتشار الذي سيصل صداه إلى رئيس الوزراء ووزراء حكومة الأمل.
كان سؤالي الأول يتعلق بالفساد؛ ذلك الوحش الذي تمدد حتى صار أخطر من الحرب نفسها. فقد زرت السودان مرةً واحدة بعد اندلاع الحرب، في نوفمبر 2025، وشاهدت فساداً لم أعرف له مثيلاً في أي دولة أفريقية ؛ حيث عملت في أفريقيا طوال عشرين عاماً. وبكل وضوح أستطيع أن أجزم أن السودان اليوم يتصدر القارة في الفساد، خصوصاً في الخدمات الحكومية، خذ مثالاً بسيطاً لكنه بالغ الخطورة: تجديد السجل التجاري. الإجراء الرسمي يفرض التحري مع أحد الملاك أو المؤسسين للتحقق من عدم ارتباطه بالمليشيا الإرهابية، وهو إجراء ممتاز لو تم تطبيقه. لكن المؤلم أن هذا الإجراء يمكن تجاوزه بثلاثة ملايين جنيه فقط. تحوّل إلى محامٍ أو وسيط و يتكفل بالباقي، فيجري التجديد دون أي تحرٍّ، حتى لو كان صاحب السجل خارج السودان.
إن كنت أنا، من خارج البلاد، قد عُرض علي هذا الأمر، فكم من الشركات تم تمريرها بهذه الطريقة؟ وكم ثغرة أمنية تسللت منها عناصر الجنجويد بأموال مضاعفة؟ هذا سؤال يمس الأمن القومي بصورة مباشرة، ولا يحتمل التردد أو المجاملة.
أما سؤالي الثاني، فكنت سأوجهه لمعالي وزير الخارجية السفير محي الدين سالم، استجابةً لطلب رئيس الوزراء حين قال مازحاً: “اسألوا وزراء حكومة الأمل”. والسؤال هو: ما هي الاستراتيجية الحقيقية للعلاقات السودانية المصرية؟ لسنا بحاجة إلى تكرار خطاب النيل والمصير المشترك؛ فهذا خطاب محفوظ. السؤال الحقيقي: ما هي المصالح التي ستبنى عليها العلاقة في المرحلة القادمة؟
مصر فعلت الكثير: احتضنت ملايين السودانيين، ثبتت موقفها الداعم لوحدة السودان وأمنه القومي، رسمت خطوطاً حمراء أعلنها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي وأكدها معالي وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي ؛ هذه مواقف كبيرة تستحق مقابلاً واضحاً، لا عبارات عامة.
تحدث رئيس الوزراء عن أن لمصر “القدح المعلى” في إعادة الإعمار، لكنه لم يحدد ما إذا كان ذلك بمنحٍ، أو باستثمارات، أو بمشروعات معدة ومكتملة الدراسات. والحقيقة أنه من الصعب تصور وجود ميزانيات جاهزة لمثل هذه المشاريع في ظل ظروف السودان الراهنة.
ما يمكن أن يُبنى عليه فعلاً هو التكامل الزراعي؛ فمصر تواجه تحدياً مائياً قاسياً، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد فيها 500 متر مكعب سنوياً، فيما الحد الأدنى العالمي 1000 متر. ومع ارتفاع عدد السكان إلى أكثر من 110 ملايين مصري و10 ملايين مقيم، أصبحت إدارة المياه معركة يومية.
في المقابل، يتمتع السودان بنصيب فرد يصل إلى 1700 متر مكعب سنوياً، وبأكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة، لا نستخدم منها سوى 20% وبأساليب بدائية. ومع ذلك نحن أكبر منتج للسمسم في العالم، ومن كبار منتجي الذرة والفول السوداني، وننتج 80% من إنتاج الصمغ العربي في العالم.
فكيف ستكون الصورة لو أدخلت مصر خبرتها وتقنياتها، وأدخل السودان أرضه ومياهه؟ سنحقق اكتفاءً غذائياً مشتركاً، ونصدر للعالم، ونربط مصالح البلدين برباط لا ينفصم.
ولعل من الأمثلة الدالة على إمكانية هذا التكامل، ما جرى في أكتوبر 2025 عندما زار والي الولاية الشمالية القاهرة برفقة عدد من وزراء ولايته. وقد نسّق لنا السفير عماد عدوي لقاءاً مهماً في مباني السفارة السودانية بالقاهرة، وحضرت بصفتي عضواً في المجلس المصري للتعاون الدولي وحضر معي عدد من أعضاء المجلس .
شهد اللقاء نقاشات ثرية، وأعلن السيد الوالي بنفسه تكوين لجنة مشتركة، وتم الاتفاق على عقد مؤتمر للزراعة والتعدين في القاهرة في ديسمبر، وتكفل المجلس المصري للتعاون الدولي باستضافة المؤتمر. وبناء على ذلك، قدمتُ ورقةً مفصلة عن الزراعة في الولاية الشمالية لرئيس المجلس المهندس معتز رسلان، الذي وافق عليها وطلب إضافة محور التعدين. لكن بمجرد عودة الوفد إلى الولاية، انقطع التواصل تماماً رغم احتياجنا لمعلومات يسيرة لإكمال برنامج المؤتمر.
هذه ليست مشكلة القاهرة، بل مشكلة ولاية غابت عنها الجدية. وأتمنى أن تتبنى حكومة الأمل هذا المؤتمر، وأن تعيد إحياء هذا المشروع باعتباره بوابة حقيقية للتكامل المصري السوداني.
ختاماً ؛ لم يكن لقاء القاهرة مجرد سهرة شتوية انعقدت في حديقة منزل السفير رغم برودة الطقس ؛ بل كانت مرآة تظهر حجم التحديات التي تواجه حكومة الأمل بعد نحو تسعة أشهر من تكليفها ؛ وهي فترة كافية للانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الإجابات والقرارات ، لا الاكتفاء بالوعود العامة ؛ فالبلاد تحتاج اليوم إلى وضوح حاسم في مكافحة الفساد ، وإعادة بناء مؤسسات الدولة ، وصياغة استراتيجية متينة للعلاقات مع مصر تقوم على المصالح المشتركة والعمل الفعلي لا على المجاملات . السودان يقف على حافة منعطف تاريخي ، ولا يحتمل التردد أو إدارة الملفات بمنطق اليوميات . المطلوب دولة تعرف ماذا تريد ، وتعرف كيف تصل إليه ، وتدرك أن المستقبل لن يُصنع بالخطب ، بل بالقرارات التي تغيَر الواقع بالفعل وفقا لمصادر المحقق الإخبارية.