مهند عوض محمود – اليوم التالي
ما يجري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليس عملاً عسكرياً محدوداً ولا رداً محسوباً؛ إنه تحوّل استراتيجي واسع يعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة من جديد. الضربة التي أصابت مراكز القيادة الحساسة في إيران لم تهزّ طهران وحدها، بل دفعت الإقليم كله إلى حالة إعادة تموضع وأدخلت دول الخليج في مستوى غير مسبوق من الاستنفار الأمني.
وقد امتدّ الرد الإيراني ليشمل القواعد الأمريكية في الخليج – سواء الموجودة في السعودية أو البحرين أو قطر أو الكويت أو الإمارات – إلى جانب الأراضي العراقية، كما طالت نيران الرد أيضاً الأردن. هذا المشهد سيضع العواصم الخليجية جميعها، بما فيها الإمارات، أمام لحظة مراجعة عميقة لأولوياتها الأمنية، بعدما انتقل التهديد لأول مرة منذ سنوات إلى عمق المنطقة ؛ فالدولة التي تواجه ضربات مباشرة أو تهديدات محتملة لا تُبقي الملفات الجانبية مفتوحة، ولا تواصل الارتباطات الحساسة مع مجموعات مسلحة خارج حدودها، بل تميل إلى خفض المخاطر وإعادة ترتيب الحسابات .
هذا التحول سينعكس مباشرة على السودان ؛ فالمليشيا الإرهابية المتمردة التي تقاتل الدولة السودانية ليست قوة مكتفية بذاتها؛ إنها مشروع قائم على الإسناد الخارجي عبر السلاح والوقود والذخيرة والتمويل ومسارات التهريب الحدودية. ومع اهتزاز الإقليم، ستصبح هذه الشبكات تحت ضغط بالغ، ولن تعمل خطوط الإمداد بالوتيرة نفسها، ولا بالجرأة التي كانت عليها قبل التصعيد.
إنها مرحلة القلق الاستراتيجي بالنسبة للمليشيا: شحنات أقل، كلفة أعلى، تردد أكبر، واحتمالات انكشاف تتزايد مع كل موجة تصعيد بين إيران وخصومها. وكلما اشتدت الحرب الكبرى، ضاقت المسارات التي تتحرك عبرها المليشيا، وتراجعت قدرتها على التعويض اللوجستي.
هنا تحديداً تظهر الفرصة التي ينبغي أن يلتقطها الجيش السوداني.
فالقتال في هذه المرحلة لا يُحسم بتوسيع الجبهات، بل بشلّ القدرة على التعويض ؛ ويمكن للقوات المسلحة أن تغيّر مسار الحرب عبر التركيز على خطوط الإمداد: المخازن، ورش الصيانة، مراكز الوقود، نقاط القيادة، ومسارات الحركة. هذه المواقع هي التي تمنح الخصم القدرة على البقاء؛ وضربها يجعل أي مقاتل – مهما بلغ عدده – معزولاً عن معركته.
وفي هذه اللحظة يصبح سلاح الجو السوداني عاملاً مرجحاً يمكنه بتركيز دقيق أن يغيّر مسار المعركة ، عبر استهداف ما لا تستطيع المليشيا تعويضه .
فالخصم اليوم لا يملك رفاهية التعويض السريع، وكل ضربة دقيقة في هذا الظرف لها وقع استراتيجي يسبق أثرها العسكري المباشر ؛ طلعة واحدة محسوبة ومدروسة قد تختصر أسابيع من القتال البرّي إذا أصابت هدفاً يمثل شرياناً لوجستياً.
وفي موازاة ذلك، تصبح المعركة الاستخبارية هي القلب الحقيقي للحسم.
فالمنطقة كلها تحت مراقبة مكثفة بفعل التصعيد ضد إيران، مما يجعل تحركات القوافل – التي تعتمد عليها المليشيا – أكثر وضوحاً، وتوقيتها أكثر انكشافاً، ومساراتها أكثر عرضة للرصد والقطع. هذه البيئة تمنح السودان فرصة غير مسبوقة للحصول على معلومات دقيقة تُترجم مباشرة إلى عمليات ناجحة.
سياسياً، يجب ألا يقف السودان خارج إعادة رسم منظومة الأمن الإقليمي.
فالمليشيا المتمردة ليست شأناً داخلياً؛ إنها تهديد مباشر للبحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي، وخطوط التجارة العالمية. الدول المشغولة اليوم بإطفاء النيران في الخليج لن تقبل بوجود جبهة فوضى جديدة في جوارها الأفريقي الحساس. وعندما يُعاد طرح الملف السوداني ضمن هذه الرؤية، يتحول وقف الدعم الخارجي للمليشيا إلى ضرورة إقليمية لا مطلباً سودانياً فقط.
هذه الحرب ليست بعيدة عن السودان ؛ فكل صاروخ يسقط في الخليج يعيد رسم موازين القوة في الخرطوم.
كل مُسيّرة تنطلق من طهران تضغط على خطوط الإمداد التي تعتمد عليها المليشيا في دارفور وكردفان.
كل تأخير في شحنة وقود أو ذخيرة يصل إليهم هو تقدم ميداني للدولة قبل إطلاق طلقة واحدة.
إن ارتداد المعركة بين القوى الكبرى نحو الخليج ليس حدثاً بعيداً عن السودان، بل هو فرصة تُعاد فيها صياغة موازين النفوذ في الإقليم، وتُفتح فيها نافذة حقيقية لحسم الحرب داخل الوطن. اللحظة التي تُراجع فيها العواصم حساباتها، وتتقلص فيها قدرتها على إدارة ملفات جانبية، هي اللحظة التي ينبغي للدولة السودانية أن تتقدم فيها بثقة: ضرب خطوط الإمداد، وتحييد مصادر القوة، واستثمار التبدّل الإقليمي قبل أن يستقرّ على شكلٍ جديد. ما يجري في الخليج يهزّ الخرائط… لكن الذي يحسم المعركة على الأرض هو الفعل السوداني لا غيره وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.