من يمثل الصناعة في السودان؟

تمهيد لقراءة استقصائية في شرعية اتحاد الغرف الصناعية

 

الخرطوم ـ اليوم التالي

 

في لحظة اقتصادية حرجة يعيشها السودان، لا يبدو الجدل الدائر حول اللجنة التمهيدية لاتحاد الغرف الصناعية مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بطبيعة إدارة المؤسسات المهنية في مرحلة إعادة بناء الدولة.

 

المذكرة التي تقدم بها عدد من أصحاب المصانع إلى مسجل عام تنظيمات العمل أعادت إلى الواجهة ملفاً ظل بعيداً عن النقاش العام: كيف تُدار مؤسسات القطاع الصناعي؟ ومن يمنحها شرعية التحدث باسم آلاف المنتجين في ظل اقتصاد يعاني من التراجع والانكماش؟

 

القانون منح سلطة تعيين لجان تمهيدية لضمان الاستمرارية المؤقتة، لكنه لم يمنح تفويضاً مفتوحاً لإدارة التنظيمات المهنية خارج إطار الانتخابات. الإجراء الاستثنائي بطبيعته مؤقت، مرتبط بهدف محدد، وينتهي بتحقق غايته. غير أن غياب جدول انتخابي معلن وسقف زمني واضح يفتح الباب لتساؤلات مشروعة حول طبيعة المرحلة الانتقالية وحدودها.

 

القطاع الصناعي السوداني اليوم ليس في وضع يسمح له بتحمل اهتزازات داخلية. آلاف المصانع تعمل بطاقة منخفضة، وأخرى خرجت من دائرة الإنتاج، وسلاسل الإمداد ما زالت تعاني من آثار الحرب. في هذا السياق، يصبح اتحاد الغرف الصناعية جهة مفصلية في التفاوض حول السياسات المالية والجمركية والطاقوية، وشريكاً في أي خطة لإعادة الإعمار الصناعي. شرعية هذا الدور لا تستمد فقط من النص القانوني، بل من قبول القاعدة الصناعية.

 

ما يطرح الآن يتجاوز مسألة تشكيل لجنة بعينها، ليصل إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والتنظيمات المهنية، وحدود التدخل الإداري، وآليات اختيار القيادات داخل الكيانات الاقتصادية الكبرى. إعادة تدوير القيادات دون فتح المجال لمنافسة واسعة، وتأجيل العملية الانتخابية دون إعلان أسباب موضوعية واضحة، كلها عناصر تستحق قراءة أعمق.

 

الملف لا يتعلق باتهام، بل بالبحث عن معايير الحوكمة داخل واحدة من أهم مؤسسات القطاع الإنتاجي في البلاد. كيف تُتخذ القرارات؟ ما هي معايير الاختيار؟ ما حجم التمثيل الحقيقي للقطاعات الصناعية المختلفة؟ وهل توجد خطة زمنية معلنة لإعادة التفويض إلى القاعدة عبر انتخابات حرة؟

 

في الأسابيع القادمة، سيفتح هذا الملف قراءة استقصائية موسعة تتناول الإطار القانوني لاتحاد الغرف الصناعية، وتاريخ تشكيل لجانه خلال السنوات الأخيرة، ومدى اتساق الإجراءات الحالية مع نص وروح قانون تنظيمات أصحاب العمل، إضافة إلى تحليل أثر ذلك على قوة التمثيل الصناعي في مرحلة التعافي الاقتصادي.

 

الصناعة السودانية اليوم أمام مفترق طرق. استعادة دورها في الاقتصاد الوطني تبدأ باستعادة الثقة داخل مؤسساتها. والشفافية في إدارة التنظيمات المهنية ليست مطلباً سياسياً، بل شرطاً من شروط الاستقرار الاقتصادي.

 

هذا التحقيق محاولة لوضع الأسئلة في إطارها المؤسسي، وفتح النقاش حول كيفية بناء اتحاد صناعي يستند إلى شرعية واضحة، ويعبر فعلياً عن القاعدة الإنتاجية التي يفترض أن يمثلها.