هل سماء السودان مباحة ؟ اختراق المسيّرات يكشف امتحان السيادة الحقيقي

 

مهند عوض محمود – اليوم التالي

لم يكن اختراق المسيّرات التي انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية حادثاً عابراً أو خطأً في حسابات ميدانية؛ بل كان اختباراً مباشراً للدولة السودانية: هل يمكن العبث بسمائها بعد أن تم العبث بأرضها يوم 15 أبريل 2023؟ هذا سؤال لم يكن يُفترض أن يطرحه الخصوم، بل كان ينبغي أن يُجاب عنه قبل أن يُسأل، ومع ذلك جاء الرد الرسمي أقل من مستوى السؤال، وأقل من مستوى اللحظة.

بيان وزارة الخارجية السودانية بدا أقرب إلى خبر إداري؛ لهجة منخفضة السقف؛ تعبيرات محايدة؛ ومحاولة إحالة الهجوم إلى ميليشيا الدعم السريع داخل بني شنقول – قمز، وكأن المسؤولية الإثيوبية قابلة للتدوير. والحقيقة التي يعرفها كل من يفهم معنى السيادة أنّ ما ينطلق من أرض دولة تتحمّل مسؤوليته تلك الدولة؛ سواء كان بيد جيشها أو جهاز استخباراتها أو مجموعة سمحت لها بالعمل فوق أراضيها. هذا ليس رأياً سياسياً بل قاعدة أمن قومي لا تقبل الالتفاف.
تصريحات سعادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بأنّه حاول التواصل مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لمناقشة الأمر؛ زادت الصورة ضعفاً؛ لأن مثل هذه الأفعال العدائية لا تُناقش في مكالمة ولا تُحل بطلب لقاء ؛ الدول التي تُستهدف بهذا الشكل لا تنتظر موعداً؛ بل ترسم الموعد من موقفها؛ وتردّ بمثل الفعل أو بما هو أقوى منه؛ فهذه لغة الدول التي تُحترم ويُحسب حسابها. وحين لا يردّ آبي أحمد على طلب التواصل؛ فهذا لا يعني انشغالاً دبلوماسياً؛ بل يعني رسالة واضحة مفادها أن إثيوبيا لا تشعر بضرورة تقديم توضيحات أو فتح قنوات تفاوض بعد استهداف وقع فعلاً فوق أجواء السودان.
ومع إدراكي أن الحكومة قد تملك معطيات استخبارية وحسابات إقليمية لا تعلنها للرأي العام، إلا أن حماية الأجواء تظل خطاً أحمر لا يحتمل التأجيل ولا يجوز بأي حال للدولة أن تتركه رهينة لحسن النوايا.

وعلى المستوى العسكري، لم يكن مطلوباً الذهاب إلى حرب؛ بل إظهار القدرة على منع الحرب. كان يجب رفع الاستعداد؛ تعزيز المراقبة ؛ إعلان نطاق أمني داخل الحدود الشرقية؛ والقيام بخطوات ردعية محسوبة تفهمها أديس أبابا فوراً. فالدول لا تُحترم لأنها تتحدث عن الرد؛ بل لأنها تُظهر أنها مستعدة له. الخط الأحمر يجب أن يكون معلناً؛ وأي اختراق جديد يجب أن يُعامل كعمل عدائي مباشر يُرد عليه فوراً؛ لا بعد تحليل ولا بعد انتظار ولا بعد محاولة ترتيب لقاء لن يأتي.
السودان اليوم ليس هو السودان في 15 أبريل؛ الجيش يملك زمام المبادرة على الأرض؛ والدولة استعادت قدرتها على فرض خياراتها؛ وما تبقى هو حماية ما فوق الأرض وتحت السماء ؛ هيبة الدولة لا تُستعاد ببيانات منمّقة؛ بل بمواقف تغيّر حسابات الخصم. وإذا لم تُرفع كلفة الاعتداء الجوي الآن؛ فسيتكرر غداً؛ لأن من يختبر السماء مرة سيختبرها ثانية إن لم يجد جداراً يمنعه.
الرسالة التي يجب أن تخرج من الخرطوم اليوم بسيطة؛ واضحة؛ لا تقبل المساومة:
سماء السودان ليست فراغاً مباحاً؛ ومن يريد العبث بها سيكتشف أن الدولة التي صمدت على الأرض… لن تسمح بأن يتكرر العبث فوقها وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.