الداخل الأمريكي تحت ضغط الحرب: عندما يصبح الكونغرس ساحة المعركة الثانية

مهند عوض محمود – اليوم التالي

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط شأناً عسكرياً محضاً يُقاس فقط بعدد الضربات الجوية أو حجم الصواريخ التي تعبر السماء كل ليلة؛ فمع مرور الأيام بدأت جبهة أخرى تتشكل بعيداً عن ساحات القتال، جبهة أكثر تعقيداً وأشد تأثيراً في مسار الحرب نفسها: الداخل الأمريكي ! هناك، في واشنطن، حيث يتقاطع القرار العسكري مع الحسابات السياسية، بدأ يتضح أن المعركة الحقيقية قد لا تُحسم فقط في السماء أو البحر، بل أيضاً في أروقة الكونغرس وفي مزاج الرأي العام الأمريكي.

الإحاطات السرية التي قدمتها الإدارة الأمريكية للكونغرس خلال الأيام الماضية كشفت عن تحول ملحوظ في طبيعة النقاش داخل المؤسسة السياسية الأمريكية؛ فبينما كانت المرحلة الأولى من الحرب تُدار بلغة التحذير والتقدير، بدأت المؤسسة العسكرية تتحدث الآن بلغة الأرقام اليومية للخسائر والتكاليف والسيناريوهات المحتملة للتصعيد. هذه الأرقام، وفق ما يتداول في دوائر القرار، لا تتعلق فقط بما يحدث على الأرض، بل بما قد يحدث إذا استمرت الحرب في التوسع دون سقف سياسي واضح.

المشكلة الأساسية التي تواجهها واشنطن اليوم ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية واستراتيجية ؛ فالولايات المتحدة تمتلك بلا شك القدرة العسكرية الكافية لشن حرب طويلة، لكن السؤال الذي بدأ يتردد داخل الكونغرس هو سؤال أكثر حساسية: ما هو تعريف النصر في هذه الحرب؟ وهل تمتلك الإدارة الأمريكية تصوراً واضحاً لنقطة النهاية، أم أن العمليات العسكرية تسير وفق منطق التصعيد المتدرج دون استراتيجية خروج محددة؟

داخل المؤسسة السياسية الأمريكية تتشكل ثلاث دوائر ضغط متزامنة.

الدائرة الأولى هي المؤسسة العسكرية التي تنظر إلى الحرب بمنطق القدرة العملياتية وتوازن الردع. بالنسبة للجنرالات، فإن استمرار الضغط العسكري على إيران أو حلفائها يمكن أن يؤدي إلى إضعاف منظومة الصواريخ والقدرات الإقليمية التي بنتها طهران خلال العقدين الماضيين. لكن حتى داخل هذه المؤسسة يدرك كثيرون أن العمليات العسكرية، مهما كانت ناجحة تكتيكياً، لا تعني بالضرورة تحقيق حسم استراتيجي.

الدائرة الثانية هي الكونغرس، حيث بدأت تظهر تساؤلات أكثر حدة حول كلفة الحرب وإطارها القانوني والسياسي ؛ فالقانون الأمريكي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة في إدارة العمليات العسكرية، لكن التاريخ الأمريكي يُظهر أن هذه الصلاحيات تصبح موضع جدل شديد عندما تتحول العمليات المحدودة إلى حرب مفتوحة أو عندما تبدأ الخسائر البشرية والاقتصادية في الارتفاع. لهذا السبب فإن أي جلسة للكونغرس في هذه المرحلة لا تتعلق فقط بمتابعة الحرب، بل أيضاً بتحديد حدودها السياسية.

أما الدائرة الثالثة فهي الرأي العام الأمريكي، وهو عامل غالباً ما يُستهان به في بدايات الحروب ثم يتحول لاحقاً إلى عنصر حاسم. استطلاعات الرأي الأولية تشير إلى أن المزاج الشعبي في الولايات المتحدة لا يتبنى حماساً واسعاً لحرب طويلة في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تجربتي العراق وأفغانستان اللتين تركتا أثراً عميقاً في الوعي السياسي الأمريكي. هذا لا يعني أن الأمريكيين يرفضون استخدام القوة، لكنه يعني أنهم يتوقعون حرباً سريعة ومحدودة الأهداف، وليس مواجهة مفتوحة قد تمتد لسنوات.

هذه المعادلة الداخلية تضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة دقيقة:

الاستمرار في الضغط العسكري دون الوصول إلى نقطة تصعيد لا يمكن التحكم بها سياسياً.

في ضوء المعطيات الحالية يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للحرب في الأسابيع المقبلة.

المسار الأول، وهو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، يتمثل في استمرار الحرب ضمن إطار الضربات الجوية والصاروخية المتبادلة دون الانتقال إلى غزو بري واسع. هذا النموذج يسمح لواشنطن بالحفاظ على زمام المبادرة العسكرية مع تقليل المخاطر السياسية الداخلية. لكنه في الوقت نفسه يحمل خطراً استراتيجياً يتمثل في تحول الحرب إلى حالة استنزاف طويلة، حيث تستمر الضربات دون أن تحقق حسمًا واضحاً لأي طرف.

المسار الثاني يقوم على احتمال تصعيد إقليمي أوسع إذا تمكنت إيران أو حلفاؤها من تنفيذ ضربات نوعية تؤثر بشكل مباشر على القوات الأمريكية أو على البنية الاقتصادية الحيوية في المنطقة، مثل خطوط الطاقة أو الملاحة البحرية. في هذه الحالة قد تجد واشنطن نفسها مضطرة لتوسيع نطاق العمليات العسكرية بصورة كبيرة، وهو سيناريو قد يغير بالكامل طبيعة النقاش داخل الكونغرس ويحوّل الحرب من عملية عسكرية إلى أزمة سياسية داخلية.

أما المسار الثالث، وهو الأقل احتمالاً في المرحلة الحالية لكنه يظل قائماً، فهو الوصول إلى تهدئة غير معلنة بعد تحقيق أهداف عسكرية محدودة. في هذا السيناريو قد تحاول واشنطن إعلان نجاح عملياتها في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية أو ردعها، ثم الانتقال تدريجياً إلى مرحلة خفض التصعيد عبر وساطات دولية أو ترتيبات إقليمية. غير أن نجاح هذا المسار يتطلب شرطاً أساسياً: أن تتمكن الإدارة الأمريكية من تقديم ما يمكن تسويقه داخلياً على أنه إنجاز استراتيجي واضح.

لكن ما يميز هذه الحرب عن كثير من الحروب السابقة في تاريخ الولايات المتحدة هو أنها تدور في بيئة استراتيجية مختلفة تماماً. فالعالم اليوم لم يعد أحادي القطبية كما كان في التسعينيات، والقوى الدولية الكبرى تراقب الصراع عن كثب وتعيد حساباتها بناءً على نتائجه. كما أن التداخل الكبير بين الجغرافيا العسكرية والاقتصاد العالمي — خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة والممرات البحرية — يجعل أي تصعيد كبير في المنطقة حدثاً له تداعيات عالمية فورية.

لهذا السبب فإن المعركة التي تدور الآن ليست فقط بين الجيوش، بل أيضاً بين الإرادات السياسية والقدرة على تحمل الكلفة. في هذا النوع من الحروب قد يمتلك طرف ما التفوق العسكري، لكنه قد يخسر إذا لم يستطع الحفاظ على التماسك السياسي الداخلي أو إذا فشل في تحديد نهاية واضحة للصراع.

الولايات المتحدة لا تزال تملك القدرة العسكرية الأكبر في العالم، لكن التجربة التاريخية تُظهر أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق النصر في الحروب المعقدة. النصر الحقيقي في مثل هذه المواجهات لا يقاس فقط بعدد الأهداف التي يتم تدميرها، بل بقدرة القيادة السياسية على إدارة الحرب دون أن تتحول إلى عبء استراتيجي على الدولة نفسها.

ولهذا فإن السؤال الذي سيحدد مسار الحرب في الأسابيع القادمة ليس فقط ما الذي سيحدث في ساحات القتال، بل ما الذي سيحدث داخل واشنطن نفسها؛ فإذا تمكنت الإدارة الأمريكية من الحفاظ على توازنها السياسي الداخلي فقد تستمر العمليات العسكرية لفترة أطول. أما إذا بدأ ذلك التوازن في الاهتزاز تحت ضغط الخسائر أو الكلفة الاقتصادية أو الانقسام السياسي، فإن مسار الحرب قد يتغير بسرعة غير متوقعة.

في النهاية، قد يبدو أن الصواريخ والطائرات هي التي ترسم مسار هذه الحرب، لكن التاريخ يعلمنا أن السياسة هي التي تحدد دائماً أين تنتهي الحروب.