مهند عوض محمود – اليوم التالي
لم يكن القرار الذي أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية ولواء البراء ضمن قوائم الإرهاب مجرد إجراء قانوني عابر في سياق الحرب السودانية، بل يمثل تطوراً سياسياً وأمنياً يستحق قراءة متأنية تتجاوز ظاهر القرار إلى خلفياته وسياقاته الأوسع ؛ فمثل هذه القرارات في التجربة الدولية، لا تصدر عادة باعتبارها خطوات تقنية محضة، وإنما تتشكل عند تقاطع معقد بين الاعتبارات الأمنية والرؤى السياسية والحسابات الجيوسياسية التي تحكم نظرة القوى الكبرى إلى مناطق الصراع.
وفي الحالة السودانية تحديداً، جاء القرار في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يتقاطع مسار الحرب الداخلية مع تحولات أوسع تشهدها منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي ؛ فقد تحولت هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم مسارح التنافس الدولي، نظراً لموقعها الاستراتيجي على خطوط التجارة العالمية، وللأهمية المتزايدة التي اكتسبتها موانئها وممراتها البحرية في معادلات الأمن والاقتصاد العالميين. وفي مثل هذه البيئات الجيوسياسية المضطربة تميل القوى الكبرى إلى إبداء قدر كبير من الحساسية تجاه أي ظواهر عسكرية خارج الإطار النظامي للدولة، خاصة في البلدان التي تمر بحروب ممتدة.
ومن هذا المنظور يمكن فهم أحد الأهداف الرئيسية التي تقف خلف القرار الأمريكي، وهو الدفع باتجاه إعادة صياغة المشهد العسكري في السودان بحيث يصبح الجيش هو الإطار المؤسسي الوحيد الذي يحتكر السلاح المنظم ؛ فالتجارب في مناطق مختلفة من العالم أظهرت أن تعدد التشكيلات المسلحة، حتى داخل المعسكر الواحد، يمكن أن يتحول مع مرور الوقت إلى عامل يضعف بنية الدولة العسكرية ويقوض احتكارها للسلاح. وقد ظهر هذا النموذج بوضوح في منطقة الساحل الأفريقي، خصوصاً في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث أدى انتشار الجماعات المسلحة خارج الجيوش النظامية إلى إضعاف الدولة وتعقيد المشهد الأمني لسنوات طويلة.
غير أن قراءة القرار من زاوية أمنية بحتة لا تكفي لفهمه بصورة كاملة، لأن التصنيفات الدولية من هذا النوع غالباً ما تحمل أيضاً أبعاداً سياسية تتجاوز الإطار العسكري المباشر ؛ فالتجربة الدولية تشير إلى أن الأدوات القانونية والسياسية كثيراً ما تُستخدم كأداة لإعادة تشكيل المجال السياسي في الدول التي تمر بحروب أو تحولات كبرى. وقد حدث ذلك في تجارب عديدة، من العراق بعد عام 2003 حين أُعيد تشكيل المجال السياسي بالكامل بعد حل حزب البعث وإقصاء بنيته التنظيمية من النظام الجديد، إلى أفغانستان بعد عام 2001 حين أُعيد بناء النظام السياسي الجديد مع استبعاد حركة طالبان التي كانت تمثل السلطة الحاكمة فعلياً قبل سقوطها.
وفي هذا السياق يمكن قراءة القرار أيضاً باعتباره جزءاً من اتجاه أوسع داخل بعض الدوائر الغربية لإعادة صياغة المجال السياسي في السودان بطريقة تقلص حضور التنظيمات الأيديولوجية المغلقة، خاصة تلك التي تُصنَّف في الأدبيات الغربية ضمن ما يسمى بالإسلام السياسي. فالقضية بالنسبة لبعض هذه الدوائر لا تتعلق فقط بالبنية العسكرية، بل تمتد أيضاً إلى طبيعة الفاعلين السياسيين الذين يمكن أن يكون لهم دور في مرحلة ما بعد الحرب.
كما لا يمكن فصل القرار عن إرث سياسي قديم ظل يؤثر في طريقة قراءة بعض العواصم الغربية للسودان. فقد شهدت مرحلة تاريخية سابقة توترات حادة بين الخرطوم وعدد من الدول الغربية، انتهت بفرض عقوبات طويلة على السودان وإدراجه لسنوات ضمن قوائم مرتبطة بالإرهاب. ورغم أن الواقع السوداني تغيّر كثيراً منذ تلك المرحلة، فإن تلك الذاكرة السياسية ما تزال تلقي بظلالها على كيفية تفسير بعض الدوائر الغربية لأي تطور سياسي مرتبط بالحركات الإسلامية في السودان.
وفي الوقت نفسه، لا يخلو القرار من قدر واضح من التسييس الذي يظهر عادة في مثل هذه الملفات. فقد طُرحت في سياقه تفسيرات وتحليلات تتجاوز أحياناً الوقائع المثبتة وتدخل في نطاق التقدير السياسي أكثر من دخولها في نطاق الدليل الميداني القاطع. وذهبت بعض التحليلات إلى حد الربط بين هذه القوات وجهات إقليمية، بما في ذلك الحديث عن تدريبات مزعومة في إيران، وهي روايات لم تُسند بأدلة موثقة واضحة، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى المبالغات التحليلية التي كثيراً ما ترافق قرارات التصنيف في البيئات المضطربة.
والتاريخ الحديث يقدم أمثلة معروفة على أن التقديرات الاستخباراتية التي تُبنى عليها قرارات كبرى قد لا تكون دائماً دقيقة بصورة كاملة ؛ فالتجربة العراقية عام 2003 حين بُني قرار الحرب على تقارير تحدثت عن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل لم يُعثر عليها لاحقاً، تظل مثالاً معروفاً على أن التحليل الاستخباراتي قد يتأثر أحياناً بالبيئة السياسية المحيطة بعملية صنع القرار.
غير أن الجدل حول القرار لا ينبغي أن يحجب حقيقة أساسية، وهي أن الحرب الحالية وضعت الدولة السودانية أمام تحدي إعادة بناء منظومتها العسكرية والسياسية في وقت واحد. وكان واضحاً منذ وقت مبكر أن البيئة الدولية أصبحت أقل تقبلاً لوجود تشكيلات مسلحة خارج الجيوش النظامية، حتى لو كانت تقاتل إلى جانب الدولة. ومن هذه الزاوية فإن السيناريو الذي أدى إلى هذا القرار لم يكن بعيداً عن دائرة الاحتمالات.
وقد أشرت في مقال سابق لأهمية دمج القوات المساندة داخل الجيش باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لإغلاق مسارات التدويل في الحرب السودانية. وفي هذا السياق يكتسب الإعلان الذي صدر مؤخراً عن الفريق ياسر العطا، مساعد القائد العام، بشأن دمج القوات المساندة في الجيش أهمية استراتيجية واضحة، لأنه يتجه مباشرة نحو معالجة إحدى النقاط التي تثير قلق المجتمع الدولي، وهي تعدد التشكيلات المسلحة خارج الإطار المؤسسي للقوات المسلحة.
ولو أن مثل هذه الخطوات قد اتُّخذت في وقت مبكر وبصورة استباقية، لكان من الممكن تقليل فرص صدور قرارات من هذا النوع أو على الأقل تقليص آثارها السياسية. غير أن اللحظة الراهنة لا تزال تتيح للسودان فرصة إعادة ترتيب بيته الداخلي بطريقة تقلل من قدرة الأطراف الخارجية على فرض قراءاتها الخاصة للصراع.
فالمعركة التي يخوضها السودان اليوم هي في جوهرها معركة دولة ضد تمرد مسلح، وليست صراعاً أيديولوجياً مفتوحاً. وكلما نجحت الدولة في ترسيخ هذه الحقيقة عبر توحيد البنية العسكرية وإعادة تنظيم المجال السياسي على أسس وطنية واسعة، تقلصت المساحة التي تتحرك فيها القراءات الخارجية المتعجلة أو المنحازة.
وهنا تكمن النقطة الجوهرية: ليس الاكتفاء برفض القرار أو التنديد به، بل فهم السياق الذي أنتجه، وسد الثغرات التي سمحت بصدوره، والعمل على بناء مشهد وطني أكثر تماسكاً تكون فيه الدولة هي المرجعية الوحيدة للسلاح، وتكون فيه السياسة مجالاً للتنافس الوطني المشروع، لا عبئاً إضافياً على معركة السودان الكبرى في الحفاظ على بقائه ووحدته وفقا لمصادر المحقق الإخبارية.