حين تُصاغ السرديات قبل الوقائع: من “حكومة بورتسودان” إلى استهداف مركز الدولة في السودان

اليوم التالي – مهند عوض محمود

في 24 مارس 2026 نشرت منصة أفريكا إنتلجنس (Africa Intelligence) مقالًا بعنوان: “حكومة بورتسودان تجد نفسها في موقف صعب مع حلفائها”، بقلم الكاتب الفرنسي نويه ميشالون وإياد هشام؛ وهما صحفيان، تقول المنصة أنهما يعملان في تتبّع الشبكات السياسية والعسكرية في أفريقيا، مع تركيز خاص على ملفات الجيوش والتسليح والتحالفات الإقليمية.

المقال في ظاهره خبر عن تعثر صفقة تسليح، لكنه في جوهره محاولة لإعادة تشكيل صورة الدولة السودانية، ليس عبر الوقائع المؤكدة، بل عبر سردية مركبة تُبنى على مصادر غير محددة، واستنتاجات واسعة تتجاوز ما تسمح به المعطيات المطروحة. ومن أول مؤشر على ذلك، استخدام مصطلح “حكومة بورتسودان”، وهو مصطلح لم يعد بريئًا أو عفويًا، بل صار يُستخدم بشكل منهجي من جهات سياسية وإعلامية معلومة تستهدف تقزيم الدولة السودانية واختزالها في مقرها المؤقت، بما يوحي بأنها سلطة محاصرة ومحدودة الشرعية.

إعادة إنتاج هذا المصطلح داخل مقال يُفترض أنه تحليلي يُعد في حد ذاته مؤشرًا على أن النص لا يتحرك في فراغ مهني، بل يتقاطع مع خطاب سياسي قائم.

ينطلق المقال من فرضية تعليق صفقة تسليح مع باكستان بوساطة سعودية، ثم يقفز منها إلى استنتاجات كبيرة: أزمة ثقة مع الرياض، ضيق مصري، ضغوط أمريكية، وحساسية في العلاقة مع تركيا. كل ذلك دون إسناد موثق، وإنما عبر عبارات من قبيل “مصادر دبلوماسية” و“أسباب غير محددة”، وهو نمط لا يكفي لبناء تقدير استراتيجي بقدر ما يُستخدم لتمرير روايات يصعب التحقق منها.

لكن الأخطر في النص هو الربط المتعمد بين هذا التعثر المفترض وبين “الوجود المستمر للإسلاميين الراديكاليين” ضمن داعمي الجيش، ثم تعزيز هذا الربط بالإشارة إلى اعتقال “الناجي عبد الله” بوصفه بادرة حسن نية، مع إدخال عامل الضغط الأمريكي لإقصاء الإسلاميين، في تزامن لافت مع قرار وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف الحركة الإسلامية في السودان ضمن قوائم الإرهاب. هذا التلاقي بين الخطاب الإعلامي والتوقيت السياسي الدولي لا يمكن تجاهله؛ بل يعزز فرضية أن المقال يتحرك ضمن موجة أوسع تسعى إلى تثبيت صورة ذهنية محددة عن السودان.

وبالتالي، فإن التشكيك في المقال لا يستند فقط إلى ضعف مصادره، بل إلى بنيته نفسها؛ فهو لا يعرض وقائع بقدر ما يعيد ترتيب عناصر متفرقة في سردية واحدة هدفها القول إن الدولة السودانية لم تحسم بعد مسألة من يملك السلاح ومن يمثلها عسكريًا. ولن يُدحض هذا التقدير إلا إذا ثبت بشكل موثق وصريح تعليق صفقة التسليح المذكورة، بكل تفاصيلها، بما يحوّل الرواية من احتمال إلى حقيقة. أما في غياب ذلك، فإن النص يظل أقرب إلى مادة تحليلية موجهة أو حتى مدفوعة، تعكس مصالح أطراف تسعى لإعادة تعريف المشهد السوداني.

غير أن الخطأ الأكبر سيكون في الاكتفاء برفض المقال؛ لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فيه، بل في قابلية الواقع لأن يُفسَّر بهذه الطريقة. فالمقال، سواء كان صحيحًا أو لا، يدفع بقوة نحو فكرة أن السودان لم ينجز بعد مشروع الجيش الواحد والسلاح الواحد. وهذه الفكرة، إن ترسخت، ستصبح أساسًا تبني عليه الدول سياساتها تجاه السودان.

وهنا تتقاطع هذه القراءة مع ما طرحته سابقًا في مقال «من وهم المحاور إلى لحظة الدولة»، حيث أكدت أن الإقليم دخل مرحلة لا تقبل بوجود السلاح الموازي، وأن أي دولة لا تحسم هذه المسألة ستبقى عرضة للضغط والتشكيك.

وما يعزز هذا التقدير أن مقال المنصة لم يبقَ في نطاق النشر، بل انتشر بكثافة في مجموعات سياسية معروفة بعدائها للمؤسسة العسكرية، وهو انتشار يعكس بوضوح أن النص يخدم سردية جاهزة، ويُستخدم لتعزيزها. وهذا بحد ذاته دليل إضافي على أن المقال، حتى إن لم يكن مدفوعًا بشكل مباشر، فإنه يتحرك ضمن مسار سياسي واضح.

الخلاصة أن القضية ليست في مقال نُشر، بل في سؤال أكبر يُطرح من خلاله: هل السودان دولة تحتكر السلاح فعلًا؟ أم لا يزال في منطقة رمادية؟ والإجابة على هذا السؤال لن تكون بالبيانات ولا بالردود، بل بحسم داخلي واضح: جيش واحد، قيادة واحدة، وسلاح لا يخرج عن إطار الدولة. عندها فقط، ستفقد مثل هذه المقالات قيمتها، مهما كان مصدرها أو الهدف منها وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.