كذبة أبريل : 120 حزباً… بلا سياسة

مهند عوض محمود – اليوم التالي

في الأول من أبريل، يتسابق الناس لاختراع كذبات خفيفة تُضحك وتُنسى سريعاً، لكن في السودان لا نحتاج إلى اختراع شيء… فالكذبة الكبرى قائمة بالفعل، وتُمارس يومياً دون أن تُسمّى.

يُقال إن في السودان أكثر من مائة حزب سياسي، بل تتجاوز التقديرات مائة وعشرين حزباً. رقم يبدو في ظاهره دليلاً على حيوية سياسية، لكنه في حقيقته تضخمٌ كاذب، واجهة واسعة تخفي وراءها فراغاً سياسياً عميقاً.

فالتعددية ليست عدداً، بل معنى ؛ ليست لافتات ؛ بل برامج ؛ ليست أسماء، بل قواعد. وما يجري في السودان لا يرقى إلى هذا المعنى؛ إذ تحولت التعددية إلى تفتيت، وتحول الاختلاف إلى انقسام دائم، لا ينتج فكرة ولا يبني دولة.

الأحزاب في السودان لا تختلف فقط وهي في الحكم… بل تنقسم وهي خارجه.

تنشطر الكيانات إلى كيانات أصغر، وتخرج من الحزب الواحد عدة نسخ، لكل نسخة قيادة، ولكل قيادة خطاب، ولكل خطاب ادعاء الشرعية. لا يجمعها برنامج، ولا يحكمها إطار مؤسسي، بل تتحرك وفق خلافات شخصية وصراعات على المواقع.

وهكذا يصبح الانقسام هو القاعدة، لا الاستثناء.

ورغم أن عدد الأحزاب السياسية في السودان كان كبيراً حتى قبل عام 2019، إلا أن المرحلة التي أعقبت ما سُمّي بحكومة الثورة وتولّي قوى الحرية والتغيير (قحت) لم تتجه إلى تنظيم هذا الواقع، بل إلى زيادة سيولته؛ إذ فُتح المجال السياسي دون ضوابط كافية، فظهرت كيانات وتحالفات جديدة بصورة متسارعة، وتفاقمت الانقسامات داخل الأحزاب القائمة، حتى تحوّل المشهد من تعددية شكلية مُقيّدة إلى تشرذم فعلي مفتوح.

لكن الأخطر من العدد والانقسام، هو طبيعة الوصول إلى السلطة.
فأغلب هذه الأحزاب لا تصل عبر الانتخابات، بل عبر اتفاقيات وتسويات وترضيات، تُوزّع فيها المناصب كجزء من موازين تفاوض، لا كنتيجة لاختيار شعبي.

وبذلك، تتحول السياسة من تنافس على خدمة الناس، إلى تفاوض على اقتسام السلطة.

ولأن هذه الأحزاب لا تملك قواعد حقيقية، فهي تخشى الانتخابات، وتهرب من اختبار الشارع، وتفضّل البقاء في دائرة التسويات، حيث يمكن إعادة إنتاج حضورها دون تكلفة سياسية.

التجارب الدولية تُظهر أن المشكلة ليست في التعددية، بل في تركها بلا ضوابط، لكن يجب فهمها بدقة:

في إندونيسيا، وبعد نهاية نظام (النظام الجديد) بقيادة سوهارتو في 1998، شهدت البلاد عدداً كبيراً من الأحزاب في البداية، ثم جرى تنظيم المشهد تدريجياً عبر قوانين انتخابية ورفع العتبة المطلوبة لدخول البرلمان، ما أدى إلى تقليص عدد الأحزاب الفاعلة مع مرور الوقت، ودفع الأحزاب الصغيرة إلى الاندماج أو الاختفاء.

وفي رواندا، أُعيد تنظيم الحياة السياسية بعد الإبادة الجماعية ضمن إطار صارم يفرض شروطاً محددة على عمل الأحزاب ويحدّ من الفوضى الحزبية، وهو نموذج قائم على الضبط الشديد أكثر من كونه تعددية مفتوحة.

أما تنزانيا، فقد انتقلت إلى التعددية منذ التسعينات، لكنها حافظت على مشهد حزبي محدود نسبياً نتيجة ضوابط قانونية وتنظيمية، مع بقاء أحزاب رئيسية مهيمنة على الساحة، ما حال دون تضخم عدد الكيانات السياسية بشكل منفلت.

هذه النماذج، رغم اختلافها، تشترك في حقيقة واحدة:

أن التعددية لا تُترك للفوضى، بل تُضبط بقواعد تعيد تعريف ما هو الحزب، ومن يحق له أن يكون فاعلاً في المجال العام.

وفي السودان، لا يمكن انتظار “فرز طبيعي” في بيئة مختلة أصلاً، ولا التعويل على أن تُصلح هذه الكيانات نفسها وهي قائمة على الانقسام والتشظي.

المطلوب هو قرار تأسيسي واضح:

حل كافة الأحزاب السياسية القائمة، وإعادة فتح باب التسجيل وفق شروط صارمة، تفرض الحد الأدنى من العضوية، ووجود برنامج مكتوب، وهيكل تنظيمي حقيقي، وانتشار جغرافي فعلي.

حينها فقط، ستُجبر الكيانات المتشابهة على الاندماج، وستختفي الأحزاب الشخصية، وسيتشكل مشهد سياسي جديد، أقل عدداً، لكنه أكثر جدية.

السودان لا يحتاج إلى مائة وعشرين حزباً…

ولا إلى تعددية تُدار عبر التسويات…

بل يحتاج إلى إعادة تأسيس كاملة للحياة السياسية.

وحتى يحدث ذلك، ستظل “كذبة أبريل” مستمرة… لا كطرفٍ عابر، بل كنظام عمل، يُنتج انقساماً بلا نهاية، وسلطة بلا تفويض، وأحزاباً تتكاثر… كلما غابت السياسة وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.