لماذا أصبح التكامل الزراعي بين مصر والسودان ضرورة لا خياراً؟

مهند عوض محمود – اليوم التالي

لم تعد قضية الأمن الغذائي في منطقتنا مجرد ملف اقتصادي يمكن تأجيله أو التعامل معه بمنطق السوق وحده؛ بل أصبحت مسألة سيادة واستقرار، بل وربما بقاء. في عالم تتسارع فيه الأزمات، من اضطراب سلاسل الإمداد إلى الحروب التي تعيد رسم خرائط الغذاء، لم يعد الاعتماد على الخارج خياراً آمناً، ولا الاكتفاء بالحلول الداخلية كافياً، خاصة في دول تواجه تحديات بنيوية في الموارد.

في هذا السياق، تبرز مصر كنموذج فريد لدولة تدير الندرة بكفاءة لافتة. موارد مائية محدودة وثابتة، وضغط سكاني متزايد، ومع ذلك استطاعت أن تبني منظومة زراعية عالية الكفاءة، وأن تحقق إنتاجية للفدان تُعد من الأعلى في المنطقة، وأن تفرض حضورها في أسواق التصدير الزراعي. هذه التجربة لا يمكن اختزالها في أرقام، بل هي انعكاس لقدرة دولة على تحويل القيود إلى أدوات، والضغوط إلى دوافع للابتكار.

لكن، وعلى الجانب الآخر من الحدود، يقف السودان في موقع مختلف تماماً. بلد شاسع، غني بالأراضي الزراعية، يمتلك موارد مائية معتبرة، ومساحات هائلة لم تُستغل بعد بالشكل الذي يليق بحجمها. ورغم التحديات التي يمر بها، فإن اختزال السودان في صورة واحدة مرتبطة بالنزاع يُعد قراءة ناقصة، بل ومضللة. فهناك مناطق واسعة مستقرة وآمنة، تملك مقومات أن تكون منصات إنتاج زراعي كبرى إذا ما أُحسن توظيفها.

هنا تحديداً تتبلور الفكرة التي لا يجب أن تُفهم كترف فكري، بل كضرورة استراتيجية: التكامل الزراعي بين مصر والسودان. ليست الفكرة في أن يعوض طرف نقص الطرف الآخر بشكل تقليدي، بل في بناء نموذج جديد يقوم على توظيف عناصر القوة لدى كل دولة في خدمة مشروع مشترك. مصر تملك الخبرة، والتكنولوجيا، والقدرة على الإدارة والإنتاجية العالية، والسودان يملك الأرض والمياه والمساحات التي تسمح بالتوسع. وعندما تجتمع هذه العناصر، لا نكون أمام تعاون عادي، بل أمام إمكانية حقيقية لإعادة تشكيل معادلة الأمن الغذائي في المنطقة.

إن الحديث عن التكامل هنا ليس طرحاً إنشائياً، بل يمكن اختباره عملياً من خلال محاصيل استراتيجية، وفي مقدمتها القمح. هذه السلعة التي ظلت لسنوات عنواناً للضغط الاقتصادي على العديد من الدول، يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمشروع تكاملي حقيقي. فبدلاً من أن تظل الدولتان رهينتين لتقلبات الأسواق العالمية، يمكن توجيه الجهد نحو إنتاج مشترك يعتمد على الأرض السودانية والخبرة المصرية، بما يقلل الاعتماد على الخارج ويعزز الاستقرار الداخلي.

ولا يعني هذا أن الطريق خالٍ من التحديات. فهناك قضايا تتعلق بالبنية التحتية، والتمويل، والإطار المؤسسي، إضافة إلى الصورة الذهنية التي تشكلت حول السودان خلال السنوات الماضية. لكن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الفرص الكبرى غالباً ما تنشأ في قلب التحديات، وأن الدول التي تمتلك رؤية واضحة هي وحدها القادرة على تحويل هذه التحديات إلى نقاط انطلاق.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه منطقتنا اليوم ليس نقص الموارد، بل غياب التكامل في استثمارها. فالمعادلة الحالية تقوم على دول تملك الخبرة دون المساحة الكافية، وأخرى تملك المساحة دون توظيف فعّال، وبينهما تضيع الفرصة. وإذا استمر هذا الوضع، فإن الفاتورة ستظل تُدفع بالعملة الصعبة، وبمستوى أعلى من الهشاشة في مواجهة الأزمات العالمية.

من هنا، فإن الدعوة إلى التكامل الزراعي بين مصر والسودان ليست دعوة رومانسية، ولا شعاراً سياسياً، بل هي قراءة واقعية لمعطيات قائمة، وفرصة تاريخية إذا لم تُغتنم الآن قد تضيع لسنوات قادمة. نحن أمام إمكانية بناء مشروع لا يحقق فقط الاكتفاء، بل يؤسس لقوة إقليمية في مجال الغذاء، قادرة على التأثير لا التأثر.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن تنفيذ هذا التكامل؟ بل: هل يمكننا تحمّل كلفة عدم تنفيذه؟ لأن الإجابة الصريحة هي أن العالم لا ينتظر المترددين، وأن الأمن الغذائي في زمن الاضطراب لم يعد خياراً… بل أصبح قدراً لا مفر من صناعته وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.