الصمغ العربي السوداني… من سلعة لا يستغني عنها العالم إلى غنيمة تتسرب عبر الحدود

مهند عوض محمود – اليوم التالي

 

لم يكن الصمغ العربي مجرد محصول نقدي في السودان، بل كان لعقود طويلة أحد أعمدة التفوق النادر في الاقتصاد العالمي؛ سلعة لا يملك العالم بديلاً كاملاً لها، ومكوناً أساسياً في صناعات غذائية ودوائية كبرى، إلى درجة أن العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على السودان في التسعينيات استثنته صراحةً، لأن استمرار تدفقه لم يكن خياراً سياسياً بل ضرورة صناعية. غير أن ما يحدث اليوم لا يمكن وصفه بتراجع عابر، بل هو تحول أعمق يمس جوهر السيطرة على هذه السلعة نفسها، حيث بدأ الصمغ العربي يتحول تدريجياً من مورد سيادي إلى تدفقات غير منضبطة تتسرب عبر الحدود.

 

 

السودان ما زال المنتج الأكبر للصمغ العربي في العالم، بحصة تُقدّر بنحو 70% إلى 80% من الإنتاج العالمي، خاصة من صمغ الهشاب والطلح، وهي ميزة طبيعية نادرة لا ينازعه فيها أحد. لكن الأسواق لا تُدار بالجغرافيا وحدها، بل بالقدرة على التنظيم والاستقرار والوصول المباشر، وهي عناصر بدأت تتآكل بمرور الوقت.. فالسوق العالمي لم يعد يبحث فقط عن أفضل جودة، بل عن سلاسل إمداد موثوقة ومستقرة، وهو ما أضعف تلقائياً من ميزة السودان رغم تفوقه الطبيعي.

 

الأرقام تعكس هذا التحول بدقة. ففي عام 2023، استوردت فرنسا نحو 55,756 طناً من الصمغ العربي بقيمة بلغت 104 مليون دولار، أي بمتوسط سعر يقارب 1,865 دولاراً للطن. ومن هذه الكمية، استوردت فرنسا من السودان تحديداً 43,314 طناً بقيمة تقارب 76.3 مليون دولار، أي أن السودان كان يمد فرنسا بما يقارب 78% من وارداتها من هذه السلعة. هذه الأرقام تؤكد أن السودان ما زال مورداً رئيسياً، لكنها تكشف في الوقت نفسه هشاشة موقعه؛ إذ تتركز صادراته في سوق واحد تقريباً، ما يجعله عرضة لتقلبات هذا السوق ويفقده القدرة على المناورة والتفاوض.

 

المفارقة الأكبر أن فرنسا نفسها لا تمثل المستهلك النهائي، بل مركزاً لإعادة التصنيع والتصدير. فهي تستورد الصمغ الخام، ثم تعيد معالجته وتصديره إلى أسواق متعددة مثل الولايات المتحدة وألمانيا والصين، محققة بذلك قيمة أعلى بكثير مما يحققه المنتج الأولي. وبهذا المعنى، فإن السودان، رغم امتلاكه للمادة الخام، لا يتحكم في مسارها ولا في قيمتها النهائية، بل يخرج مبكراً من سلسلة القيمة تاركاً الجزء الأكبر من العائد لغيره.

 

هذا الاختلال التقليدي في توزيع القيمة لم يعد وحده المشكلة. ففي عام 2025، برز تطور أكثر خطورة يتمثل في تدني الصادرات الرسمية بالتوازي مع اتساع ظاهرة تسرب الصمغ عبر دول الجوار. فقد بدأت كميات من الصمغ العربي السوداني تظهر في الأسواق العالمية عبر تشاد وجنوب السودان وكينيا، دون المرور بالقنوات الرسمية أو حمل شهادات منشأ واضحة. هذه الظاهرة لا تعني فقط فقدان عائدات التصدير، بل تعني أن السودان بدأ يفقد السيطرة على السلعة نفسها، حيث يُعاد تسويقها في الخارج خارج إطاره التنظيمي وبأسعار وشروط لا يملك التأثير عليها.

 

 

الواقع على الأرض يفسر هذا التحول. فجزء كبير من مناطق إنتاج الصمغ يقع في نطاقات شهدت اضطراباً، ما أضعف قدرة الدولة على ضبط الحركة التجارية. وفي الوقت نفسه، تواجه الكميات التي تتحرك عبر القنوات الرسمية بيئة تشغيل مثقلة بالرسوم وتكاليف النقل والقيود الإجرائية، ما يدفع بعض المنتجين والتجار إلى البحث عن مسارات بديلة أقل تكلفة وأكثر سرعة، حتى وإن كانت خارج الإطار الرسمي. وهكذا يصبح التهريب، في نظر البعض، خياراً اقتصادياً، رغم كلفته الوطنية العالية.

 

ورغم كل هذه التحديات، تظل المفارقة الأهم في جانب آخر تماماً: القيمة المضافة. فتصنيع الصمغ العربي لا يتطلب تقنيات صناعية معقدة بالمعايير الثقيلة، بل يقوم أساساً على عمليات مثل التنقية والطحن والتجفيف بالرش، وهي عمليات قادرة على مضاعفة قيمة المنتج عدة مرات. ومع ذلك، يظل السودان مصدّراً للمادة الخام، بينما تُبنى القيمة الحقيقية في الخارج، حيث يتم تحويل الصمغ إلى منتجات صناعية عالية الجودة تحمل علامات تجارية عالمية وتُباع بأسعار أعلى.

 

 

الخطر الحقيقي في هذا المسار لا يكمن في تراجع الأرقام الحالية فقط، بل في التحول التدريجي في موقع السودان داخل السوق. فإذا اعتاد المشترون على الحصول على الصمغ عبر قنوات بديلة، أو من خلال وسطاء إقليميين، فإن الاعتماد المباشر على السودان سيتراجع، حتى وإن ظل المنتج نفسه سودانياً في الأصل. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه البدائل من حلول مؤقتة إلى واقع دائم، ما يفقد السودان موقعه الاستراتيجي الذي ظل يحتفظ به لعقود.

 

السودان لم يفقد شجرة الهشاب، ولم يفقد جودة الصمغ العربي، لكنه بدأ يفقد السيطرة على مسار هذه السلعة من الحقل إلى السوق. وهذا هو التحول الأخطر؛ لأن فقدان السيطرة يعني فقدان القدرة على التسعير، وعلى بناء العلاقات التجارية، وعلى تحقيق القيمة الحقيقية من المورد. وإذا استمر هذا المسار دون معالجة، فإن الصمغ العربي—الذي كان يوماً سلعة لا يُستغنى عنها—قد يتحول إلى مجرد مادة خام تتدفق عبر الحدود، بينما تُصنع قيمتها الحقيقية في أماكن أخرى وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.