حين تتحول وفرة الإنتاج إلى عبء… كيف تُدار الأزمات حين تغيب الدولة؟

 

مهند عوض محمود – اليوم التالي

لم تكن أزمة حب البطيخ في السودان نتيجة موسم فاشل، بل نتيجة موسم ناجح… قُرئ بشكل ناقص. فموسم 2023–2024 جاء قوياً على نحو لافت؛ تدفقت الكميات من غرب السودان – حيث الحزام الرئيسي للإنتاج – وتحركت الشاحنات نحو الدبّة في الولاية الشمالية، وارتفعت الأسعار بما عزّز قناعة المزارعين بأن هذا المحصول أصبح أحد أسرع المسارات نحو السيولة.

حتى منتصف عام 2024، وتحديداً حتى 30 يونيو 2024، ظل السوق يعمل بصورة طبيعية. ففي 5 أبريل 2024، أصدرت الحكومة الهندية عبر Directorate General of Foreign Trade إخطاراً (Notification No. 05/2024) فتح استيراد بذور البطيخ (watermelon seeds) خلال نافذة زمنية محدودة من 1 مايو حتى 30 يونيو 2024. خلال هذه الفترة، استمرت حركة الصادرات بصورة طبيعية، واستفاد المنتجون والمصدرون من الطلب القائم.

لكن بعد إغلاق هذه النافذة، عاد الاستيراد إلى وضع التقييد. هنا كان يفترض أن تُقرأ الإشارة بوضوح: السوق الرئيسي لم يعد مفتوحاً كما كان.

غير أن ما حدث داخل السودان سار في الاتجاه المعاكس.

في أواخر عام 2024، ومع إغلاق الطرق الحيوية القادمة من غرب السودان نحو الدبّة نتيجة العمليات العسكرية القائمة، برزت الدبّة نفسها كبديل مؤقت لأم درمان بعد تعطل الطرق المؤدية إليها لنفس الأسباب. هذا التحول في مسارات الحركة لم يكن مجرد تغيير جغرافي، بل أحدث خللاً في توقعات السوق؛ إذ رجّح كثيرون حدوث شح في الإمدادات القادمة من الغرب. هذه القراءة دفعت المزارعين في شرق السودان، خاصة في القضارف—المعروفة تقليدياً بزراعة السمسم والذرة—إلى التوسع في زراعة حب البطيخ ضمن موسم 2024–2025، وتقليص مساحات المحاصيل التقليدية، استناداً إلى تجربة الأسعار المرتفعة في الموسم السابق.

لكن هذه المرة، لم يكن هناك سوق يستوعب هذه الزيادة.

وهكذا تلاقت ثلاثة عوامل في توقيت واحد: نجاح موسم 2023–2024، إغلاق نافذة الاستيراد بعد يونيو 2024، وتوسع زراعي كبير في موسم 2024–2025. النتيجة اليوم واضحة: كميات ضخمة من حب البطيخ مكدّسة – إما في أيدي المزارعين أو لدى التجار الذين اشتروا منهم – دون قدرة على التصريف.

نحن لا نتحدث عن أرقام هامشية، بل عن آلاف الأطنان. وإذا افترضنا متوسط سعر يتراوح بين 1,200 و1,800 دولار للطن، فإن حجم الأموال المجمدة يصل إلى ملايين الدولارات. هذه أموال خرجت من الدورة الاقتصادية، وسيولة تحوّلت إلى مخزون راكد، إلى جانب تكاليف تخزين متزايدة ومخاطر تدهور الجودة مع مرور الوقت. والأخطر أن هذه هي السنة الثانية على التوالي التي تستمر فيها الأزمة دون تدخل فعّال.

المشكلة هنا ليست في قرار الهند، بل في غياب من يقرأ القرار ويتحرك على أساسه.

الدول التي تعتمد على سوق واحد لا تترك منتجيها يواجهون الصدمة وحدهم. كان يمكن التحرك مبكراً لتنظيم تدفق الصادرات أو تنويع الأسواق، وكان يمكن—بعد الإغلاق—التوجه مباشرة نحو التفاوض مع الجانب الهندي لطلب كوتة استثنائية، أو فترة سماح، أو ترتيبات فنية محددة تسمح باستيعاب جزء من الفائض.

لكن ما حدث هو غياب شبه كامل للتحرك الرسمي.

في المقابل، حاول القطاع الخاص أن يتحرك حيث غابت الدولة. وعلى المستوى الشخصي، حاولتُ أن أفتح مساراً للحل دون أي مصلحة مباشرة؛ فأنا لا أمتلك حب بطيخ، ولا مخزوناً منه، ولا صفقة مرتبطة به، لكنني تحركت بدافع المسؤولية تجاه أصدقاء من المصدّرين، وتجاه قطاع كامل تتجمّد فيه ملايين الدولارات. تواصلتُ مع السفارة الهندية في القاهرة وطلبت لقاءً مع السفير، وتمت الموافقة.

وفي إطار هذا التحرك، تواصلتُ مع السيد وجدي ميرغني، بصفته رئيس غرفة الصادر، ووضعتُه في صورة المبادرة. وقد استجاب مشكوراً بصدرٍ رحب، ولم يكتفِ بالدعم المعنوي، بل حرص – رغم كثافة التزاماته – على مرافقتي شخصياً إلى الاجتماع، في موقف يعكس جدية نادرة وإحساساً حقيقياً بالمسؤولية تجاه قطاع الصادر.

في مقر السفارة، التقينا السفير الذي دعا الملحق التجاري الهندي للاجتماع، واستمعوا باهتمام لحجم الضرر الذي لحق بالمزارعين والمصدرين، وأبدوا تفهماً واضحاً، وأفادوا بأنهم سيتواصلون مع الجهات المعنية في الهند. بعد أسبوعين من المتابعة، جاء الرد صريحاً: لا يمكن فتح الاستيراد في الإطار الحالي.

هذه النتيجة، رغم قسوتها، لم تكن نهاية الطريق، بل كانت دليلاً على أن الملف يحتاج إلى ما هو أكبر من مبادرة فردية. كان يمكن للحكومة السودانية أن تتحرك عبر وفد رسمي من وزارة التجارة—حتى لو تم تمويل هذه المهمة من القطاع الخاص لتخفيف العبء على الخزينة العامة—للتفاوض مع الجانب الهندي وطرح حلول عملية، خصوصاً وأن القضية تتعلق بقطاع كامل لا بحالات فردية.

اليوم، ومع دخول مايو – وهو توقيت حاسم تقليدياً – تقف الأزمة على حافة لحظة فاصلة. إن لم يُفتح باب الاستيراد أو تُوجد صيغة تفاهم، فإن الكميات المكدّسة ستتحول من عبء مؤقت إلى خسارة ممتدة، وستنعكس آثارها على قرارات الزراعة في المواسم المقبلة.

الخلاصة أن ما حدث لم يكن صدمة مفاجئة، بل سلسلة من الإشارات التي لم تُقرأ في وقتها. نجاح موسم 2023–2024 لم يكن بداية قصة نجاح مستمرة، بل كان—في غياب إدارة المخاطر—بداية أزمة. وبين قرار يُتخذ في نيودلهي وصمتٍ يمتد في الخرطوم، تكدّست المحاصيل، وتجمّدت الأموال، وبقي السؤال قائماً: كيف تُدار الأزمات حين تغيب الدولة؟ وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.