محمود صالح / خبير اقتصادي – اليوم التالي
يظل الذهب واحداً من أهم الموارد التي يعتمد عليها الاقتصاد السوداني، خاصة في ظل تراجع قطاعات إنتاجية أخرى بسبب الحرب والظروف الاقتصادية المعقدة. وخلال السنوات الأخيرة أصبح التعدين الأهلي يمثل نسبة كبيرة من إنتاج الذهب في السودان، ويوفر دخلاً مباشراً لعشرات الآلاف من الأسر، إلى جانب مساهمته في توفير النقد الأجنبي للدولة. لكن رغم هذه الأهمية، يواجه القطاع اليوم تحديات متزايدة قد تؤثر بشكل مباشر على الإنتاج والاستقرار الاقتصادي إذا لم تتم معالجتها بصورة عملية وواقعية.
أولى هذه التحديات تتمثل في الارتفاع المستمر لأسعار الوقود ومدخلات الإنتاج. فعمليات التعدين تعتمد بشكل أساسي على الجازولين في تشغيل الآليات والطواحين والحفارات وعمليات النقل بين مواقع الإنتاج والأسواق ومناطق المعالجة. ومع كل زيادة في أسعار الوقود ترتفع تكلفة الإنتاج بصورة مباشرة، مما يقلل هامش الربح ويضعف قدرة المعدنين على الاستمرار، خاصة المعدنين الأهليين الذين يعمل أغلبهم بإمكانيات محدودة.
وفي الجانب الآخر، فرضت الحرب تحديات إضافية على القطاع، ليس فقط من ناحية الأمن، بل أيضاً من ناحية حركة الإمداد والنقل والتجارة. بعض المناطق المنتجة أصبحت تواجه صعوبات في وصول الوقود وقطع الغيار والمواد التشغيلية، بينما دفعت الظروف الأمنية كثيراً من الأنشطة الاقتصادية للعمل خارج القنوات الرسمية. وفي ظل ضعف الرقابة في بعض المناطق، ظهرت منافذ وأسواق موازية لخروج الذهب بعيداً عن المسارات الطبيعية نتيجة الظروف الحالية وتعقيدات الواقع الاقتصادي والأمني.
ورغم هذه التحديات، شهدت الفترة الأخيرة خطوات إيجابية من الدولة وبنك السودان فيما يخص سياسات صادر الذهب، إذ اتجهت السياسات الجديدة نحو تنظيم الصادر وتشجيع دخول حصائل الذهب عبر القنوات الرسمية، مع تقديم بعض التسهيلات للمصدرين. وهي خطوة مهمة إذا استمرت بصورة مستقرة وواضحة بعيداً عن القرارات المتغيرة أو الإجراءات المعقدة التي تربك السوق.
لكن السؤال المهم: هل تكفي سياسات الصادر وحدها لإنقاذ القطاع؟
الحقيقة أن دعم قطاع التعدين لا يجب أن يتوقف عند تنظيم الصادر فقط، بل يجب أن يمتد إلى دعم الإنتاج نفسه. فالمعدن الأهلي اليوم يحتاج إلى وقود متوفر، وطرق آمنة، وخدمات لوجستية، ومعامل حديثة، وأهم من ذلك تمويل حقيقي يساعده على الاستمرار والتوسع وزيادة الإنتاج.
وللأسف، لا يزال دور الجهاز المصرفي ضعيفاً وشبه غائب في تمويل المعدنين وعمليات التعدين والإنتاج، رغم أن القطاع يمثل واحداً من أكبر مصادر النقد الأجنبي في السودان. فالمعدن الأهلي اليوم يحتاج إلى تمويل تشغيلي حقيقي يساعده في توفير الوقود، وصيانة الآليات، وشراء المدخلات الأساسية، وتحسين بيئة الإنتاج، لكن معظم العاملين في القطاع يعتمدون على التمويل الخاص أو الشراكات الفردية خارج النظام المصرفي.
وفي ظل القيود الحالية على التمويل المرتبط بقطاع الذهب، بقي المنتج نفسه بعيداً عن أي دعم مصرفي منظم، مما أضعف قدرة القطاع على التطور وزيادة الإنتاج بصورة مستقرة وآمنة.
إذا أرادت الدولة فعلاً زيادة الإنتاج وتقليل الفاقد والحد من خروج الذهب عبر القنوات غير الرسمية، فلا بد من إعادة النظر في دور الجهاز المصرفي، والسماح بوجود أدوات تمويل منظمة وآمنة تخدم القطاع الإنتاجي تحت رقابة الدولة، بدلاً من ترك النشاط بالكامل خارج المنظومة المصرفية.
قطاع الذهب في السودان لا يحتاج فقط إلى الرقابة، بل يحتاج إلى رؤية اقتصادية متكاملة تربط بين الإنتاج والتمويل والتصدير. لأن أي سياسات تركز على الصادر وحده دون معالجة مشاكل الإنتاج على الأرض، ستظل حلولاً جزئية لا تعالج أصل الأزمة.
وفي ظل الظروف الحالية، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل نتعامل مع الذهب كقطاع جبايات ورسوم فقط، أم كمشروع اقتصادي استراتيجي يمكن أن يكون أحد أهم مفاتيح استقرار الاقتصاد السوداني في المستقبل؟