مهند عوض محمود – اليوم التالي
الحروب لا تدمر المباني والجسور والمصانع فقط، بل تعيد تشكيل الاقتصاد نفسه. تعيد توزيع الثروة، وتغيّر مراكز النفوذ الاقتصادي، وتخلق فاعلين جدداً وتُضعف آخرين. والخطر الحقيقي لا يكمن دائماً في الدمار المادي الذي تتركه الحرب خلفها، بل في التحولات العميقة التي تحدث داخل بنية الاقتصاد أثناء الحرب، وقد تبقى آثارها سنوات طويلة بعد توقف إطلاق النار.
وهذا ما يستحق التأمل في السودان اليوم.
فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 دخلت عامها الرابع، ولم يعد السؤال الاقتصادي الأهم هو حجم الخسائر التي أصابت المصانع أو المزارع أو الأسواق، بل كيف تغيرت خريطة الاقتصاد السوداني نفسها، ومن هم الفاعلون الاقتصاديون الذين صعدوا أو تراجعوا خلال هذه الفترة؟
خلال العقود الماضية، تشكلت في السودان طبقة اقتصادية معروفة من المصدرين والمزارعين والصناع والتجار وشركات الخدمات والنقل. هذه الكيانات لم تظهر فجأة، بل بنت أعمالها عبر عشرات السنين، وراكمت خبرات وعلاقات تجارية ومصرفية وأسواقاً داخلية وخارجية شكلت جزءاً من البنية الاقتصادية للبلاد.
ثم جاءت الحرب..
فتعرضت شركات للنهب، وفقدت شركات أصولها، وتوقفت مصانع، وتعطلت سلاسل الإمداد، وخرجت رؤوس أموال إلى الخارج بحثاً عن بيئة أكثر استقراراً. وفي المقابل، ظهرت كيانات وأنشطة اقتصادية جديدة توسعت بسرعة في بعض القطاعات، خاصة التجارة العامة والمحاصيل وبعض الأنشطة المرتبطة بالنقد الأجنبي والاستيراد.
ولا يبدو أن الأمر مجرد انطباعات متداولة في الأسواق. فقد أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في أبريل 2026، إلى أن الحرب أدت إلى إغلاق نحو ثلث الشركات العاملة في السودان، وانكماش الاقتصاد بأكثر من 40%، ونزوح نحو 13 مليون شخص. كما أشارت تقديرات صحفية غير رسمية إلى انتقال مئات المستثمرين السودانيين بأنشطتهم إلى دول الجوار.. وقد تختلف التقديرات في تفاصيلها، لكنها تتفق على حقيقة واحدة: السودان لا يواجه فقط دمار أصول، بل تآكلاً في قاعدة القطاع الخاص نفسه.
لكن السؤال الأهم ليس من صعد ومن تراجع، بل ما طبيعة رأس المال الذي يحل محل رأس المال الذي خرج أو ضعف؟
فالاقتصاد لا يُقاس فقط بحجم الأموال المتداولة، بل بنوعية النشاط الاقتصادي الذي تقف خلفه هذه الأموال. هناك فرق كبير بين رأس مال يبني مصنعاً، أو يطور مزرعة، أو يفتح سوقاً للصادرات، أو يؤسس علامة تجارية تستمر لعقود، وبين رأس مال يتحرك بحثاً عن فرص قصيرة الأجل أوجدتها ظروف الحرب والندرة والتقلبات. والدول لا تبني نهضتها الاقتصادية بالأنشطة العابرة، بل بالاستثمارات طويلة الأجل التي تخلق الوظائف والقيمة المضافة والصادرات.
ولعل ما حدث في عدد من القطاعات التصديرية خلال السنوات الأخيرة يقدم مؤشراً مهماً على هذا التحول. فقد شهدت صادرات السودان من عدد من المنتجات التقليدية تحديات واضحة، سواء في السمسم أو الفول السوداني أو القطن أو حب البطيخ وغيرها من المحاصيل التي ظلت لعقود تمثل جزءاً مهماً من صادرات البلاد. هذه الأزمات لا تعكس مشكلة محصول بعينه، بقدر ما تعكس اضطراباً أصاب المنظومة الاقتصادية التي كانت تدير الإنتاج والتصدير والتسويق الخارجي.
وفي الوقت نفسه، ما زالت ظاهرة تصفية الأصول مستمرة. العقارات تباع، والمخازن تباع، والأراضي تباع، وشركات كثيرة ما زالت تبحث عن السيولة بأي وسيلة ممكنة. وهنا لا يهمنا السؤال: لماذا يبيع الناس؟ فالحرب وما نتج عنها من نزوح وتعطل أعمال وفقدان دخل تفسر ذلك. لكن السؤال الاقتصادي الأهم هو: ما طبيعة الاستثمارات التي تتوسع اليوم؟ وهل تتجه السيولة الجديدة نحو الإنتاج الحقيقي، أم نحو اقتناص الأصول والفرص المؤقتة التي أوجدتها ظروف الحرب؟
والأثر الأخطر لا يظهر في الأسواق فقط، بل داخل الجهاز المصرفي نفسه..
فالبنوك لا تمول الأموال فقط، بل تمول التاريخ والسجل والثقة والمعرفة.. والعميل التقليدي المعروف للبنك يمثل سنوات من التعامل والبيانات والتدفقات المالية والضمانات والعلاقات التجارية التي تسمح بتقييم المخاطر واتخاذ القرار التمويلي السليم.
أما عندما تخرج شركات معروفة من السوق أو تضعف أعمالها، وتظهر كيانات جديدة لا تمتلك تاريخاً مصرفياً أو سجلاً ائتمانياً كافياً، فإن البنوك تفقد جزءاً من ذاكرتها الاقتصادية. وهنا تواجه المؤسسات المصرفية معضلة حقيقية؛ فإما أن تتوسع في التمويل وسط درجة عالية من عدم اليقين، وإما أن تتشدد في التمويل فتفقد دورها في إعادة تشغيل الاقتصاد.
ولا يقتصر الأمر على الشركات المحلية وحدها. فالحرب دفعت عدداً من المؤسسات المالية الأجنبية إلى الخروج أو تقليص وجودها في السودان، ومن غير المتوقع أن تعود بعض هذه المؤسسات في المدى القريب. وخروج مثل هذه المؤسسات لا يعني فقدان رأس المال فقط، بل فقدان جزء من العلاقات المصرفية الخارجية والخبرات المتراكمة وشبكات التمويل والتجارة التي كانت تمثل جسراً بين الاقتصاد السوداني والأسواق الإقليمية والدولية.
وليس هذا أول تحول اقتصادي كبير يشهده السودان…
ففي أوائل السبعينات، أدت سياسات التأميم إلى خروج أو تراجع عدد من الشركات والبيوتات التجارية التي كانت تمثل جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي آنذاك. وتشير وثائق أرشيفية من تلك الفترة إلى تأميم شركات مثل:
Blue Nile Packing
و
Blue Nile Brewery
و
Bata Shoe Company
و
Seferian and Company
و
National Cash Register Company
كما شملت سياسات التأميم القطاع المصرفي أيضاً… والدرس هنا ليس الحنين إلى الماضي، بل فهم حقيقة اقتصادية مهمة: خروج رأس المال المنظم لا يعني خروج الأموال فقط، بل يعني أحياناً خروج الخبرة والأسواق والعلاقات والثقة التي تراكمت عبر عقود.
ومن الإنصاف أيضاً الإقرار بأن عدداً من الشركات الحكومية والمؤسسات التابعة للدولة تحمل خلال الحرب أعباء كبيرة في توفير السلع الاستراتيجية والمحافظة على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي، وهو دور مهم ساهم في استمرار دورة الحياة الاقتصادية في ظروف استثنائية بالغة الصعوبة.
لكن التجارب الاقتصادية تؤكد أن رأس المال وحده لا يكفي. فنجاح الشركات يتطلب أيضاً الخبرة التراكمية، والعلاقات الخارجية، والقدرة على التسويق، والابتكار، وفهم الأسواق. وعندما تغيب هذه العناصر ترتفع احتمالات التعثر والخسائر. والفارق هنا أن خسائر القطاع الخاص يتحملها المساهمون وأصحاب رأس المال، بينما تتحمل الدولة في نهاية المطاف خسائر الشركات العامة من المال العام الذي مصدره دافع الضرائب.
ولهذا فإن معركة السودان الاقتصادية القادمة يجب ألا تقتصر على إعادة إعمار المباني والطرق والجسور.
المطلوب أولاً حماية ما تبقى من الطبقة المنتجة، وإعادة ما يمكن إعادته منها إلى دائرة النشاط الاقتصادي. على البنوك أن تبحث عن عملائها الذين خرجوا من السوق بسبب الحرب، وأن تقدم تسويات حقيقية وإعادة جدولة وتمويلاً ميسراً يساعدهم على العودة إلى الإنتاج. وعلى الدولة أن تدرك أن استعادة النشاط الاقتصادي أهم من تعظيم الإيرادات في هذه المرحلة؛ ولهذا فإن الشركات المتضررة من الحرب تستحق إعفاءات ضريبية حقيقية لعدة سنوات، كما تستحق الرسوم والجبايات مراجعة شاملة خلال فترة التعافي.
أما الزكاة، فمن المنطقي أن ترتبط بالنشاط الذي عاد فعلياً إلى العمل وتحقيق الأرباح ودار عليه الحول، لا بالنشاط الذي ما زال يعاني آثار الحرب والتوقف القسري.
كما أن التنسيق بين وزارة المالية وبنك السودان ووزارة التجارة ووزارة الزراعة واتحاد أصحاب العمل والغرف التجارية لم يعد ترفاً إدارياً، بل أصبح ضرورة اقتصادية ملحة.
إن السودان لا يواجه اليوم تحدي إعادة الإعمار فقط.. التحدي الأكبر هو الحفاظ على الاقتصاد المنتج ومنع تآكل القاعدة الاقتصادية التي بُنيت عبر عشرات السنين. فالمباني يمكن إعادة بنائها خلال سنوات، أما الخبرة التجارية والعلاقات التصديرية والثقة المصرفية والشبكات الاقتصادية التي تراكمت عبر عقود، فإن فقدانها قد يحتاج جيلاً كاملاً لتعويضه.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار اليوم ليس فقط كيف نعيد إعمار ما دمرته الحرب، بل كيف نمنع الحرب من إعادة تشكيل الاقتصاد السوداني بطريقة تجعل التعافي أكثر صعوبة وأطول زمناً وأكثر كلفة.
فإذا استمرت عملية الإحلال الاقتصادي الحالية دون رؤية واعية، فقد يكتشف السودان بعد انتهاء الحرب أنه لم يفقد فقط طرقه ومصانعه ومبانيه، بل فقد أيضاً جزءاً من طبقته المنتجة، وخبراته التجارية، وشبكاته التصديرية، وذاكرته المصرفية.
وعندها لن يكون السؤال: كم خسر السودان في الحرب؟
بل سيكون السؤال الأصعب:
كيف نعيد بناء اقتصاد تغيّرت خريطته وقواعده وأولوياته بالكامل؟ وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.