مهند عوض محمود – اليوم التالي
أثارت مشاورات أديس أبابا الأخيرة كثيراً من الجدل داخل الساحة السياسية السودانية، ليس فقط بسبب مخرجاتها أو الأطراف المشاركة فيها، وإنما لأنها أعادت طرح سؤال عاد إلى الواجهة بقوة خلال المرحلة الحالية: من يملك حق تعريف الشرعية السياسية في البلاد؟
لقد انشغل البعض بمسألة المشاركة أو المقاطعة، وانشغل آخرون بمضمون البيانات الختامية، لكن التطور الأكثر أهمية ربما كان ما كشفته ردود الفعل اللاحقة للمشاورات، خاصة داخل الكتلة الديمقراطية نفسها.
لقد انشغل البعض بمسألة المشاركة أو المقاطعة، وانشغل آخرون بمضمون البيانات الختامية، لكن التطور الأكثر أهمية ربما كان ما كشفته ردود الفعل اللاحقة للمشاورات، خاصة داخل الكتلة الديمقراطية نفسها.
فالخلاف الذي ظهر لم يكن حول وحدة السودان أو ضرورة إنهاء الحرب أو أهمية السلام، بل كان حول قضية أكثر عمقاً: حدود دور المجتمع الدولي في العملية السياسية السودانية.
وهنا تكمن القضية الحقيقية، فحين تؤكد قوى سياسية سودانية أن دور المجتمع الدولي يجب أن يقتصر على التيسير والدعم لا إدارة العملية السياسية أو تحديد أطرافها وأجندتها، فإنها لا تناقش مسألة إجرائية، وإنما تناقش جوهر السيادة السياسية ومصدر الشرعية الوطنية.
والحقيقة أن هذا الجدل لا يتعلق بالخماسية وحدها، ولا بأديس أبابا وحدها، ولا حتى بالأزمة الحالية وحدها؛ إنه جدل رافق السودان منذ سنوات طويلة.
ففي كل مرة يتعثر فيها السودانيون في إدارة خلافاتهم بأنفسهم، يظهر لاعب خارجي مستعد للمساعدة. ومع مرور الوقت يتحول الدعم إلى تأثير، ويتحول التأثير إلى شراكة، ثم تتحول الشراكة تدريجياً إلى دور في تحديد الأولويات والأجندات وأحياناً المشاركين أنفسهم.
وهنا تبدأ المشكلة..
فالتاريخ يعلمنا أن التدخلات الخارجية لا تفرض نفسها على الدول القوية والمتماسكة، وإنما تتسلل عبر فراغات الانقسام والعجز الوطني.. ولا تزدهر إلا عندما يعجز الداخل عن إنتاج مشروع سياسي يحظى بالحد الأدنى من الإجماع الوطني.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودانيون اليوم ليس: لماذا يتدخل الآخرون؟
بل: لماذا يجد الآخرون مساحة للتدخل أصلاً؟
إن أخطر ما كشفت عنه اجتماعات أديس أبابا ليس ما ورد في البيانات الرسمية، بل ما ظهر بعدها من نقاشات وخلافات وتحفظات. فهذه النقاشات أثبتت أن المشكلة الحقيقية ليست في المبادرات الدولية نفسها، وإنما في غياب مرجعية وطنية متفق عليها تستطيع التحدث باسم قطاع واسع من السودانيين وتضع الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها.
فكلما اختلف السودانيون حول من يمثلهم، ازداد عدد من يدّعون تمثيلهم.. وكلما غابت المرجعية الوطنية، برزت المرجعيات البديلة.. وكلما اتسعت الفجوة بين القوى الوطنية، اتسعت المساحة التي يتحرك فيها الوسطاء والرعاة والشركاء الدوليون.
إن التجارب الناجحة في العالم تقدم درساً مختلفاً تماماً عن الدرس الذي يركز عليه كثيرون.. ففي جنوب أفريقيا لم تنجح عملية الانتقال من الفصل العنصري الى الديمقراطية لأن المجتمع الدولي أراد ذلك، بل لأن الجنوب أفريقيين أنفسهم نجحوا في بناء تسوية وطنية شاملة. كان الخارج حاضراً وداعماً، لكنه لم يكن بديلاً عن الإرادة الوطنية.
وفي إسبانيا لم تُبنَ الديمقراطية الحديثة عبر مؤتمرات دولية أو وصايات خارجية، بل عبر اتفاق تاريخي بين القوى السياسية الإسبانية على قواعد إدارة الخلاف الوطني. لقد أدرك الإسبان أن مستقبل بلادهم يجب أن يُصنع في مدريد لا خارجها.
وفي إندونيسيا لم تستعد الدولة استقرارها بعد أزمة 1998 لأن الآخرين رسموا لها الطريق، بل لأن النخب الإندونيسية أدركت أن بقاء القرار الوطني داخل البلاد شرط لبقاء الدولة نفسها.
والقاسم المشترك بين هذه التجارب جميعاً أن الشرعية لم تُستورد من الخارج.. بل بُنيت في الداخل.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يتمثل في مواجهة الخماسية أو أي مبادرة دولية أخرى.. التحدي الحقيقي يتمثل في بناء بديل وطني يجعل أي محاولة لصناعة الشرعية من الخارج أمراً غير ذي جدوى.
لقد أفرزت الحرب واقعاً سياسياً جديداً لا يمكن تجاهله.. فهي لم تنتج فقط خطوط تماس عسكرية، بل أنتجت أيضاً اصطفافاً وطنياً واسعاً حول فكرة الدولة نفسها. وأعادت طرح أسئلة كانت مؤجلة لسنوات طويلة حول الوطنية ووحدة البلاد ودور المؤسسات ومستقبل النظام السياسي.
لكن هذا الاصطفاف ما زال حتى الآن أقرب إلى حالة سياسية منه إلى مشروع سياسي.. وهنا يكمن التحدي الحقيقي.. فإذا بقي الاصطفاف مجرد رد فعل على الحرب فسوف يتراجع تأثيره مع تراجع المعارك.
أما إذا تحول إلى مشروع وطني جامع يستوعب القوى السياسية والمدنية والمجتمعية المختلفة، فإنه سيتحول إلى مصدر شرعية حقيقي قادر على حماية القرار الوطني من أي محاولة لإعادة تشكيله من الخارج.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج اليوم إلى منصة جديدة بقدر ما يحتاج إلى مرجعية وطنية جديدة.. مرجعية لا تقوم على الإقصاء.. ولا تقوم على احتكار التمثيل.. ولا تقوم على توزيع شهادات الوطنية.. وإنما تقوم على الاعتراف بالتنوع السوداني وإدارة الخلاف داخل مؤسسات وطنية متفق عليها.
فلا حزب واحد يمثل السودان.. ولا تحالف واحد.. ولا حركة واحدة.. ولا جهة واحدة تستطيع أن تحتكر الحديث باسم شعب متعدد ومعقد مثل الشعب السوداني.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة ما بعد الحرب ليس استمرار الخلافات السياسية، فهذه موجودة في كل دول العالم.. الخطر الحقيقي هو أن يفقد السودانيون الثقة في قدرتهم على إدارة تلك الخلافات بأنفسهم.. فعندها فقط يتحول الخارج من وسيط إلى مرجع.. ومن داعم إلى صانع أجندة.. ومن شريك إلى بديل.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول بعد الحروب ليس نقص المبادرات السياسية، وإنما فائض الوسطاء. فكلما تأخر أصحاب المصلحة الحقيقيون في الاتفاق على قواعد إدارة بلادهم، ازداد عدد من يعرضون عليهم إدارة تلك القواعد نيابة عنهم. وعندما يطول الفراغ السياسي، لا يبقى الخارج مجرد مسهّل للحوار، بل يصبح طرفاً مؤثراً في تعريف الأولويات وتحديد الأجندات ورسم حدود المشاركة السياسية.
ولهذا فإن معركة الشرعية التي بدأت ملامحها في أديس أبابا لن تُحسم في أديس أبابا.. كما أنها لن تُحسم في أي عاصمة أخرى.. إنها ستُحسم في الخرطوم.
وستُحسم بقدرة السودانيين على بناء مشروع وطني يجعل من إرادتهم الجماعية المصدر الأول والأخير للشرعية السياسية.. ففي نهاية المطاف لا توجد قوة خارجية تستطيع أن تصنع شرعية مستقرة لشعب لا يؤمن بها.. كما لا توجد دولة فقدت قرارها الوطني بسبب قوة الآخرين وحدها، بل بسبب عجز أبنائها عن الاتفاق على مشروع وطني يحمي ذلك القرار.
ولهذا فإن الإجابة الحقيقية على سؤال: كيف تُهزم معركة الشرعية المصنوعة من الخارج؟
ليست بمهاجمة الخارج..
وليست برفض المبادرات الدولية.. وليست بالانسحاب من الاجتماعات أو المشاركة فيها.
وإنما ببناء مشروع وطني أكبر من الجميع، يجعل من السودان مرجعاً لنفسه، لا ساحة يتنافس الآخرون على رسم مستقبلها.
فالدول لا تُحمى بالشعارات.
ولا تُبنى بالاعتراضات وحدها.
ولا تستعيد قرارها الوطني بمجرد رفض الوصاية.. بل يحدث ذلك عندما تنجح نخبها السياسية ومؤسساتها الوطنية في إنتاج بديل أكثر شرعية وأكثر تمثيلاً وأكثر قدرة على إقناع شعبها.. وهنا تبدأ المهمة الحقيقية.. وهنا يبدأ الطريق إلى الخرطوم وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية .