مهند عوض محمود – اليوم التالي
لم تعد الطاقة الشمسية في السودان رفاهية ولا خياراً إضافياً، بل أصبحت ضرورة فرضها انهيار الإمداد قطاع الكهرباء وتضرر بنيته التحتية. فهي اليوم مصدر أساسي للطاقة في الزراعة والصناعة والخدمات، وأي زيادة في تكلفتها تنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج وأسعار السلع والخدمات. الشعوبالإفريقية وشعوب الشتات
خلال الأيام الماضية، أثار فرض رسوم على مكونات الطاقة الشمسية جدلاً واسعاً. وقد أوضحت الجهات المختصة أن هذه الرسوم ليست جديدة، وإنما هي رسوم فحص ورقابة فنية مطبقة منذ سنوات.
لكن القضية الأساسية ليست في كون الرسوم جديدة أو قديمة، بل في مدى ملاءمتها للظروف الحالية، وفي أثرها الفعلي على المواطن والمنتج.
فالمستهلك لا يعنيه كثيراً اسم الرسم، سواء كان جمركياً أو فنياً أو إدارياً. ففي جميع الحالات تُضاف التكلفة إلى سعر اللوح والبطارية والعاكس، ثم تنتقل في النهاية إلى المشتري.
كما أن الرسم الذي يبدو بسيطاً على القطعة الواحدة قد يتحول إلى عبء كبير على المنظومات المتوسطة والكبيرة، خصوصاً عندما تُضاف إليه رسوم أخرى، وتكاليف التخليص والتخزين وتأخير الإجراءات.
ولا أحد يعترض على حق الدولة في تنظيم السوق ومنع دخول المعدات الرديئة أو المستعملة. بل إن الرقابة الفنية ضرورية لحماية المستهلك من الألواح منخفضة الكفاءة، والبطاريات الضعيفة، والعاكسات غير المطابقة للمواصفات.
لكن الرقابة الحقيقية لا تعني تحصيل الرسوم فقط. بل يجب أن تكون هناك معايير معلنة، ومعامل مؤهلة، وشهادات فحص واضحة، وآلية تظلم، ومسؤولية قانونية إذا اجتازت معدات غير مطابقة إجراءات الفحص.
فإذا لم تكن هناك خدمة فنية حقيقية مقابل الرسوم، فإنها تتحول من أداة لحماية السوق إلى مجرد جباية.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما ندرك أن الدولة لم تعد قادرة على توفير الكهرباء بصورة مستقرة، ولذلك اضطر المواطنون والمنتجون إلى شراء منظوماتهم الخاصة من أموالهم.. فهل من المنطقي أن تعجز الدولة عن توفير الكهرباء، ثم تفرض رسوماً على من يحاول إنتاجها بنفسه؟
إن الطاقة الشمسية اليوم ليست سلعة استهلاكية، بل جزء من البنية التحتية للاقتصاد. وكل زيادة في تكلفتها تعني ارتفاع تكلفة الإنتاج، وتراجع القدرة التنافسية، وزيادة الأعباء على المواطن.
وقد تحصل الدولة على إيرادات محدودة من هذه الرسوم، لكنها قد تخسر أضعافها بسبب تراجع الاستثمار، وارتفاع أسعار السلع، وزيادة الاعتماد على الوقود المستورد.
لذلك فإن المطلوب ليس إلغاء الرقابة، بل مراجعة الرسوم والإجراءات بما يتناسب مع المرحلة، مع اعتماد سياسة واضحة للطاقة الشمسية تقوم على الإعفاء الحقيقي، والفحص المهني، وسرعة الإجراءات، وتشجيع التمويل والاستثمار.. فالسودان يحتاج اليوم إلى كل مصدر طاقة يمكنه تحريك الاقتصاد وتخفيف الضغط على الشبكة العامة.
والسؤال الحقيقي ليس: كم ستجمع الدولة من الرسوم؟
بل: كم ستخسر من الإنتاج والاستثمار إذا ارتفعت تكلفة الطاقة؟
فالدول التي تريد نهضة اقتصادية تخفض تكلفة الطاقة، ولا تبحث عن مواردها في أهم مدخلات الإنتاج وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.