مهند عوض محمود – اليوم التالي
منشور بنك السودان المركزي رقم 16/2026 يستحق أن يُقرأ باعتباره أكثر من تعديل فني في سياسة سعر الصرف. فقد منح المصارف مرونة أكبر في تعديل أسعار الصرف خلال اليوم، وشراء حصائل الصادر وفق أسعارها المعلنة وبما يتناسب مع قوى العرض والطلب، مع الرجوع إلى البنك المركزي عند تعذر شراء الحصيلة.
أهمية الخطوة أنها تعالج واحدة من أكبر مشكلات سوق النقد الأجنبي: الفجوة بين السعر الذي تعرضه المصارف والسعر المتاح خارجها. فعندما يجد المصدر أو صاحب النقد الأجنبي سعراً أعلى في السوق الموازي، تبتعد موارده عن الجهاز المصرفي. أما منح البنوك مرونة أكبر في التسعير، فيعطيها فرصة حقيقية لمنافسة السوق الموازي وجذب حصائل الصادر والتحويلات إلى القنوات الرسمية.
الدكتور أسامة الطيب من بنك أم درمان الوطني شرح جوهر المنشور بوضوح، وأشار إلى أن المصارف تستطيع شراء موارد النقد الأجنبي بحسب العرض والطلب وتعديل الأسعار أثناء اليوم، وأن بنك السودان يمكن أن يدخل كمشترٍ بعد التنسيق معه إذا عجزت البنوك عن شراء الحصائل. كما أعلن استعداد بنك أم درمان الوطني لتقديم أفضل الأسعار للتحويلات والدفع بالعملات الأجنبية لمن يرغب.. لكن السؤال الأهم هو: من أين سيأتي النقد الأجنبي الذي ستتنافس عليه المصارف؟
بنك السودان يستطيع أن يجعل شراء الدولار أكثر مرونة، لكنه لا يستطيع أن يخلق الدولار بمنشور. النقد الأجنبي يأتي من اقتصاد ينتج ويصدر، ومن ذهب يدخل القنوات الرسمية، ومن تحويلات مغتربين تجد في المصارف سعراً وخدمة وثقة أفضل من السوق الموازي.. ولهذا فإن نجاح المنشور رقم 16 لن يُحسم داخل البنك المركزي وحده، بل بقدرة مؤسسات الدولة كلها على زيادة العرض الحقيقي للنقد الأجنبي.
د. أسامة أشار إلى أن تشجيع صادرات الذهب وإزالة العوائق التي تدفع إلى التهريب يمكن أن يرفع الصادر إلى حدود 200 إلى 300 كيلوغرام يومياً، بما يوفر، وفق تقديره، حصائل مهمة لسد جانب كبير من الفجوة.
القضية هنا ليست إنتاج الذهب وحده، بل جعل المسار الرسمي أكثر جاذبية من التهريب: سعر تنافسي، إجراءات أسرع، دفع مضمون، وتنسيق بين بنك السودان ووزارة المعادن والجهات المعنية بالأمن الاقتصادي. فمكافحة التهريب لا تنجح بالملاحقة وحدها؛ بل عندما يصبح التصدير الرسمي هو الخيار الأكثر جدوى اقتصادياً.
لكن السودان لا يمكن أن يبني استقرار عملته على الذهب وحده. لدينا السمسم والصمغ العربي والفول السوداني والقطن والثروة الحيوانية والحبوب، وغيرها من السلع القادرة على توليد موارد مستمرة من النقد الأجنبي إذا خُفضت تكلفة إنتاجها وصادراتها.
وهنا تظهر مسؤولية وزارة المالية. فلا معنى لسياسة نقدية تحاول جذب حصائل الصادر بينما تظل الرسوم والجبايات وتكاليف النقل والمناولة ترفع تكلفة السلعة السودانية حتى تفقد قدرتها على المنافسة. المطلوب مراجعة حقيقية لتكلفة الصادر من موقع الإنتاج حتى الميناء.
أما وزارة الزراعة، فمسؤوليتها تبدأ قبل أن تصل السلعة إلى الميناء بوقت طويل. زيادة حصائل الصادر تحتاج إلى خريطة إنتاج واضحة، وتمويل للمزارعين، ومدخلات في الوقت المناسب، واختيار المحاصيل ذات الميزة التنافسية وربط الإنتاج بالأسواق المستهدفة.. فالسؤال لم يعد فقط: كم زرعنا؟ بل: ماذا زرعنا، وكم كلفنا، ولمن سنبيع؟
ثم تأتي وزارة التجارة، والمطلوب منها أن تتحرك في الاتجاه نفسه: زيادة الصادرات ورفع قدرتها التنافسية بما يوسع موارد النقد الأجنبي الداخلة إلى الجهاز المصرفي.
وينطبق الأمر نفسه على تحويلات السودانيين بالخارج. فالمنشور يخلق فرصة لإعادة جزء أكبر من هذه التحويلات إلى المصارف والصرافات، لكن المنافسة ليست بالسعر وحده؛ فالمغترب يريد سرعة التحويل وسهولة الإجراءات والثقة.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة:
السياسة النقدية تستطيع أن تجذب الدولار إلى البنك، لكنها لا تستطيع أن تنتجه. الدولار ينتجه الاقتصاد الحقيقي.. ولهذا فإن منشور بنك السودان ينبغي ألا يبقى سياسة مصرفية معزولة، بل أن يتحول إلى برنامج دولة لزيادة موارد النقد الأجنبي.
نحتاج إلى تنسيق مستمر بين البنك المركزي ووزارات المالية والتجارة والزراعة والمعادن، والبنوك التجارية، والمصدرين، والجمارك، والموانئ، والأمن الاقتصادي. ليس عبر اجتماعات بروتوكولية، وإنما من خلال متابعة عملية لثلاثة أشياء: ماذا نصدر، كم دخل من حصائل إلى الجهاز المصرفي، وما الذي ما زال يعطل زيادة العرض؟
فالنجاح الحقيقي للمنشور لن يقاس بسعر الدولار غداً أو بعد غد، وإنما بمدى تقلص الفجوة بين السوق المصرفي والموازي، وزيادة حجم الحصائل والتحويلات التي تدخل البنوك، وقدرة الاقتصاد على توفير عرض مستدام من العملات الأجنبية.
منشور بنك السودان خطوة إيجابية وجريئة، لكنه في النهاية فتح الباب فقط.. بنك السودان يستطيع أن يحسن طريقة شراء الدولار، لكن السؤال الحاسم هو: كيف ننتج الدولار الذي نريد شراءه ؟ وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية .