د. الفاتح يس ـ اليوم التالي
في قاعة المؤتمر الصحفي لإعلان نتيجة الشهادة السودانية، لم تكن الأرقام مجرد نسب نجاح عابرة، بل كانت مرآةً عاكسة لواقع إقتصادي اجتماعي يعيشه السودان اليوم. فبينما كانت الأسر تترقب الفرحة، جاءت قائمة الطلاب الأوائل لتطلق جرس إنذار أحيا نقاشاً قديماً متجدداً؛ حيث هيمنت المدارس الخاصة بشكل كبير الي حد ما على المراكز الأولى، بل إن المفاجأة كانت استحواذ مؤسسة د. ابوذر الكودة على ٥٠ من قائمة الأوائل الذين تم إذاعتهم في المؤتمر الصحفي (ما شاء الله تبارك الله) (وفقا للمنشورات الرسمية لصفحات المؤسسة)، في المقابل ظهور شاحب لطلاب المدارس الحكومية العريقة.
هذه النتيجة لا تعد قضية تعليمية فحسب، بل يجب أن تتحول إلى ملف إقتصادي إجتماعي بامتياز، في توقيت يمر فيه السودان بمرحلة تحتاج إلى تكامل الجهود لتعود المدارس الحكومية الي بريقها.
إذا شرحنا الموضوع، وسألنا لماذا تراجعت المدارس الحكومية؟
نجد إن تفوق القطاع الخاص وهيمنته على لوحة الشرف لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكمات وسنوات من إهمال القطاع العام، زادت بعد هجرة بعض المدارس الخاصة وفتح مراكز ومدارس في دول الجوار ذات البيئة والمناخ المريح في ظل هذه الحرب اللعينة، وتعود الأسباب الجذرية إلى هجرة المعلمين والكوادر التعليمية، ضعف الأجور في القطاع الحكومي دفع بأفضل المعلمين والخبراء التربويين إلى الهجرة أو الانتقال للمدارس الخاصة بحثاً عن العيش الكريم.
تدهور البنية التحتية ربما تعاني المدارس الحكومية من نقص في الكتاب المدرسي، وإجلاس الطلاب، وانعدام المختبرات العلمية والتقنية مقارنة بالمدارس الخاصة التي توفر بيئة جاذبة ومحفزة.
وفي ظل الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، عانت المدارس الحكومية من إغلاقات متكررة وإضرابات للمعلمين، بينما حافظت المدارس الخاصة الكبرى على استقرار تقويمها الدراسي عبر بدائل مرنة مثل التعليم الإلكتروني أونلاين.
اذا أخذنا التعليم كملف سياسي: تعافي المدارس الحكومية هو جزء أصيل من تعافي الدولة.
يمثل التعليم الحكومي خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية والعدالة الاجتماعية. حينما تنهار المدرسة الحكومية، ينهار معها مبدأ “تكافؤ الفرص”؛ حيث يصبح التعليم المتميز حكراً على الأغنياء، مما يعمق الفجوة الطبقية ويزيد من حالة السخط العام والغبش الاجتماعي، وهو وقود مجاني للعملاء وللاضطرابات في بيئة تعاني من الهشاشة الأمنية. إن عودة الثقة للمدرسة الحكومية وعودة طلابها إلى منصات التتويج يعني ببساطة، إعادة بناء اللحمة الوطنية، وليس ذلك بأمر صعب، المدرسة الحكومية هي البوتقة التي تذوب فيها الفوارق القبلية والطبقية، ويلتقي فيها أبناء الوطن الواحد على مقعد وزي دراسي واحد. تحقيق المساواة بإعطاء ابن الفقير وابن الغني نفس الفرصة للصعود والتميز، ثم التوظيف، مما يقطع الطريق أمام دعاوى السياسيين بالتهميش والإقصاء.
تثبيت أركان الدولة، لا يمكن التحدث عن استقرار سياسي أو أمني ودولة المواطنة غائبة في أهم خدماتها الحيوية (التعليم).
لابد من سؤال كيف نُعِيد الأوائل إلى المدارس الحكومية؟
إن علاج هذه القضية الوطنية يتطلب إرادة سياسية حاسمة وخطة إسعافية عاجلة لا تحتمل التأجيل:
أولاً: رد الاعتبار للمعلم الحكومي، يجب رفع ميزانية التعليم وتعديل الهيكل الراتبي للمعلمين في القطاع العام ليكون جاذباً ومنافساً للقطاع الخاص، فالمعلم هو حجر الزاوية في أي نجاح.
ثانياً: التمويل الذكي والشراكات: إطلاق مشروع وطني لإعادة تأهيل المدارس الحكومية الكبرى والتاريخية في كل ولايات السودان، ودعمها بالمعامل والوسائل التعليمية الحديثة عبر الدعم من خريجيها وصناديق إعمار وشراكات مع القطاع الخاص (المسؤولية المجتمعية).
ثانياً: ضبط ومراقبة القطاع الخاص: ليس المطلوب هدم القطاع الخاص الذي يسد ثغرة مهمة، ولكن يجب وضع أطر تنظيمية تمنع الاحتكار وتضمن عدم تحول التعليم إلى سلع تجارية بحتة تفرغ المدارس الحكومية من ميزاتها، وتضغط على أولياء الأمور لهجرة أبنائهم من المدارس الحكومية للخاص.
ثالثاً: رعاية المتفوقين في القطاع العام، بإنشاء فصول أو مدارس نموذجية حكومية برعاية خاصة في كل محلية، تُعنى باحتضان الطلاب المتميزين وتوفير الدعم الأكاديمي والنفسي لهم للمنافسة على الصدارة.
ختاما إن لوحة أوائل الشهادة السودانية لهذا العام هي بمثابة “ترمومتر” لقياس صحة الدولة. وإذا أردنا سوداناً معافى، مستقراً، وآمناً من التفرق والشتات، يجب أن تبدأ رحلة التعافي من فصول المدارس الحكومية.
إن إعادة البريق للمدرسة الحكومية ليس ترفاً تربوياً، بل هو ضرورة أمنية وسياسية واجتماعية، لإنقاذ مستقبل أمة وتثبيت دعائم عدالة المواطنة، وعودة الصحة الأمنية للوطن. نسأل الله أن ينعم علي وطننا بالأمن والأمان والاستقرار والرفاهية.