مؤتمر تعافي القطاع الخاص السوداني… تشخيص واسع للأزمة، فأين خطة الإنقاذ؟

مهند عوض محمود – اليوم التالي

اختُتم في الخرطوم حوار تعافي القطاع الخاص السوداني بإعلان خريطة طريق وتكوين فريق عمل لمتابعة تنفيذها. أرحب بهذه الخطوة؛ فقد جمعت الحكومة والقطاع الخاص والمزارعين والمصارف وشركاء التنمية حول مشكلات الإنتاج والتمويل والأسواق. لكن سؤالاً ظل يرافقني طوال الجلسات: إذا عرفنا ما نريد بناءه خلال السنوات المقبلة، فمن سيموّل إنقاذ الإنتاج الذي لا يزال قائماً اليوم؟

 

لم يفتقر المؤتمر إلى تشخيص الأزمة. تحدث المشاركون عن ضعف التمويل، وارتفاع تكلفة الطاقة والنقل، وتعطل المصانع، وصعوبة وصول المنتجات إلى الأسواق. وهي مشكلات وضعها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أيضاً ضمن تحضيراته للحوار. وطرح البرنامج أدوات لمعالجتها، منها ضمانات الائتمان والتمويل المختلط، أي استخدام منح أو ضمانات تنموية لتشجيع المصارف والمستثمرين على تمويل مشروعات إنتاجية يرونها عالية المخاطر. لذلك كنت أتوقع أن ينتقل النقاش خطوة أبعد: من تعداد احتياجاتنا إلى تقديم آلية تمويل واضحة يمكن وضعها أمام البرنامج وشركاء التنمية.

 

في جلسة أنظمة الغذاء، قدم الدكتور علي مدني، ممثل وزارة الزراعة والري، ورقة تناولت أضرار الحرب في الزراعة والإنتاج الحيواني وسلاسل الإمداد والأسواق. ودعت إلى تحسين التخطيط والمعلومات والإنذار المبكر، وتطوير البذور والبحث الزراعي والتصنيع الغذائي. كانت محقة في النظر إلى الغذاء كمنظومة متصلة؛ فالمحصول يحتاج، بعد زراعته، إلى حصاد وتخزين ونقل وسوق. لكنني كنت أبحث فيها أيضاً عن إجابة عملية: أي التدخلات يبدأ قبل الموسم المقبل، وما تكلفته، وكيف يُموّل؟

 

ثم عرضت وزارة الصناعة ما أصاب المصانع من دمار، وما ترتب عليه من فقدان للعمالة والمواد الخام وتعطل الطاقة والخدمات والنقل. وطالبت بإعادة التأهيل وتوفير التمويل والمدخلات ومراجعة الرسوم. هنا أيضاً كان حجم المشكلة واضحاً، بينما بقيت آلية التدخل أقل وضوحاً. فالمصنع الذي يحتاج إلى كهرباء ومواد خام ليعود خلال أسابيع يختلف عن مصنع يحتاج إلى إصلاح معدات أو إعادة بناء كاملة. لكل حالة تكلفة وأداة تمويل ومدة مختلفة.

ومن جانب القطاع الخاص، قدم الدكتور خالد المقبول، نائب رئيس غرفة الزراعة باتحاد الغرف السودانية، ورقة تناولت تطوير الخريطة المحصولية، وتقليل الفاقد، والاستفادة من المخلفات الزراعية في الأعلاف، والتصنيع والقيمة المضافة، والنقل المتخصص، والأسواق الخارجية، والطاقة الشمسية. ويحسب لها أنها ربطت حلقات الإنتاج ببعضها؛ فلا فائدة من زيادة المحصول إن تلف في الطريق، أو تعذر تصنيعه بسبب انقطاع الكهرباء.

 

 

 

لكن الورقة بدت لي، في أجزاء منها، أقرب إلى رؤية تنموية لما نريد أن يصبح عليه اقتصادنا بعد أن يستعيد استقراره. وهي رؤية مهمة، لكنها كانت تحتاج إلى فصل واضح بين مشروعات السنوات المقبلة وإجراءات الإنقاذ التي لا تحتمل التأجيل. فقد تحدث الدكتور خالد عن تكلفة التمويل وتشدد الضمانات وتأخر وصول المال إلى المنتجين. وكان السؤال الذي يستحق أن يتصدر الورقة: ما الأداة التي تضع التمويل في يد المزارع قبل الموسم، وتساعد المصنع القابل للتشغيل على العودة الآن؟

 

 

 

لخصت إحدى المزارعات هذه الفجوة في حديثها عن الحصاد. فالآلات لا تتوافر دائماً عند نضج المحصول، وصغار المزارعين لا يستطيعون شراءها منفردين، وكل تأخير يرفع التكلفة والفاقد. واقترحت توفيرها عبر خدمات التأجير وتدريب العاملين عليها. تلك فكرة يمكن تحويلها إلى مشروع قابل للتمويل: عدد معروف من الآلات، وجمعيات مستفيدة، وتكلفة محددة، وموسم معلوم، ونتيجة يمكن قياسها. وكان وجود المزارعين وصغار المنتجين من الجوانب الإيجابية في المؤتمر؛ فقد نقلوا مشكلات الإنتاج اليومية إلى المنبر الذي يناقش السياسات.

 

 

 

في المقابل، كان تمثيل الشركات السودانية في بعض الجلسات أقل مما كنت أرجوه من مؤتمر يحمل اسم القطاع الخاص. وظهر أثر ذلك في اللقاءات المباشرة بين الشركات، المعروفة بلقاءات B2B. كما حالت تأشيرات الدخول المتأخرة دون وصول بعض المدعوين من الخارج في موعد المؤتمر. وهذه مشكلة لا ينبغي تكرارها: فالشراكة التجارية تحتاج إلى حضور الطرفين، وترتيب لقاءاتهما مسبقاً، ومتابعة ما يتفقان عليه بعد المغادرة. وقد أشارت تغطية الجلسة الختامية إلى نوايا استثمارية ظهرت في بعض اللقاءات؛ ومن المهم معرفة ما الذي سيتحول منها إلى عقود أو مشروعات.

 

بعد المؤتمر بيومين، قرأت خبراً لوكالة السودان للأنباء عن لقاء وزير الخارجية محيي الدين سالم بالمدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ألكسندر دي كرو في نيويورك. تناول اللقاء مخرجات حوار الخرطوم، وأكد الجانبان أهمية إنشاء صندوق تنموي يُعنى بالسودان. استوقفني الخبر، لأن فكرة الصندوق تقترب من صلب ما كان ينبغي أن يناقشه مؤتمر مخصص لتعافي القطاع الخاص. ولا يعني الخبر أن قرار إنشاء الصندوق قد صدر، أو أن تمويله قد تأمّن؛ لكنه يظهر أن الفكرة طُرحت على مستوى قيادة البرنامج والحكومة.

 

 

 

وهنا موضع ملاحظتي الأساسية على المؤتمر. من الطبيعي أن يناقش وزير الخارجية والمدير التنفيذي للبرنامج الاتجاه العام للتعاون؛ فهذا جزء من دورهما. لكن تصميم الصندوق ومطالبه العملية كان ينبغي أن يصعد إليهما من أصحاب الاختصاص والمصلحة: وزارة المالية، وبنك السودان، والمصارف، والقطاع الخاص، والمزارعين، والمصنعين. كان يمكن أن تخرج جلسات الخرطوم بمقترح أولي يحدد لماذا نحتاج الصندوق، ومن سيموّله، وكيف تُدار موارده، وأي مشروعات يبدأ بها، وما الضمانات والنتائج التي سيقدمها للشركاء. عندها يصبح اللقاء في نيويورك فرصة لحشد الدعم لمشروع صاغه السودانيون من واقع احتياجاتهم.

 

 

 

كشف هذا المؤتمر فجوة في إعداد مقترحات مشروعات جاهزة للتمويل. فشرح حاجة الزراعة والصناعة إلى الدعم خطوة ضرورية، لكنه لا يجيب وحده عن الأسئلة التي يحتاجها الممول: أين سينفذ المشروع؟ ومن سيستفيد منه؟ وكم سيكلف؟ ومن يديره؟ وما المخاطر؟ وكيف ستُقاس نتائجه؟ إعداد المقترحات بهذا المستوى ليس مجرد إجادة لكتابة طلبات المنح، بل هو جزء من قدرتنا على تحويل اهتمام المؤسسات الدولية إلى تمويل يصل إلى المنتج.

 

 

 

ولهذا أقترح أن تكون أول مهمة لفريق متابعة خريطة الطريق إعداد تصور عملي لصندوق التعافي الاقتصادي، بمشاركة المنتجين والمصارف والجهات الحكومية المختصة. ويمكن أن يبدأ بثلاث نوافذ واضحة: إعادة تشغيل المنشآت القادرة على العودة سريعاً، وتقديم ضمانات تشجع المصارف على تمويل المواسم والمشروعات الصغيرة، وتمويل خدمات مشتركة مثل آلات الحصاد والطاقة والتخزين. ويجب أن تُعلن معايير الصندوق ومصادر موارده والنتائج التي يحققها.

 

 

 

لقد نجح حوار الخرطوم في جمع الأطراف واعتماد خريطة للمستقبل. وما نحتاجه الآن هو أن تقدم الجهات المعنية لشركاء التنمية مشروعات جاهزة، وأن تصوغ أولوياتها من واقع احتياجات المنتجين. حين يصل التمويل قبل الموسم، ويعود المصنع إلى الإنتاج، وتقل خسارة المحصول في الحقل والطريق، نكون قد بدأنا التعافي بالفعل وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.