*صدمة “الدور الأول”.. هل ظلمت الوزارة الطلاب أم غيبت الأسر “فقه الاستثناء”؟*

د. الفاتح يس

 

شهد الشارع السوداني خلال الأيام الماضية حالة من الجدل الكثيف ومنصات التواصل الاجتماعي تشتعل غضباً وحيرةً، عقب إعلان نتيجة القبول للدور الأول بالجامعات السودانية. بين أسر مصدومة بعدم قبول أبنائها، وأقلام صحفية سارعت بتوجيه أصابع الاتهام لوزارتي التعليم العالي والتربية والتعليم، برزت نغمة تحميل الحكومة مسؤولية “الخروج من المنافسة”، بحجة الاعتماد على “دليل عام 2024”. ولكن، هل قصرت الوزارة حقاً، أم أننا أمام واقع استثنائي فرض شروطه ولم تستوعبه الأسر بعد؟

 

يمر السودان هذا العام بمرحلة استثنائية على كافة الأصعدة. عسكرياً وأمنياً، شهدنا دحر ميليشيا الدعم السريع من مدن وولايات واسعة، وهو ما انعكس اجتماعياً على عودة الحياة للمؤسسات، الأسواق، والمواطنين إلى ديارهم. هذا التعافي قاد بالضرورة إلى استئناف مسيرة التعليم، وعودة التلاميذ والطلاب إلى مقاعد الدراسة والجامعات.

ومن البديهي أن هذا “الاستثناء الشامل” في كل مناحي الحياة، لا بد أن يصاحبه إستثناء طبيعي في آليات وتنافسية القبول الجامعي لهذا العام، وهو ما غاب عن حسابات الكثيرين.

 

من يتابع نبض الشارع والمنصات (خاصة فيسبوك)، يلحظ بوضوح الرغبة العارمة وغير المسبوقة للطلاب وأولياء الأمور في إتمام التعليم الجامعي داخل الوطن (حكومي وخاص)، مع تراجع كبير في نبرة الهجرة أو الدراسة بالخارج، علي عكس العامين الماضيين. هذه الرغبة التقت مع معطيات رقمية بالغة التعقيد:

• حجم التدفق: مجموع الطلاب الذين جلسوا لامتحانات ديسمبر 2024 ويناير 2025 يفوق بقليل (أو يقارب) عدد طلاب امتحانات أبريل لهذا العام 2026.

• القدرة الاستيعابية: المقاعد التي جهزتها الوزارة في الجامعات الحكومية والخاصة –بحسب تصريحات وزير التعليم العالي أكثر من ٣٠٠ الف مقعد، وهو أقل بقليل في العامين الماضيين.

هذه المعادلة (إقبال تنافس شرس جداً ارتفعت معه نسب القبول الفعلية بشكل لم يتوقعه

 

الأزمة الحقيقية تكمن في خلط المفاهيم؛ فالوزارة تنشر “دليل القبول” وليس “نسبة القبول المطلقة”. الدليل هو بوصلة إرشادية وتكهنية مبنية على أرقام العام الماضي، والوزارة ليست “عرافاً” يعلم نسب الطلاب مسبقاً ليحدد كم ستأخذ كل كلية قبل بدء التقديم.

الوزارة قدمت التسهيلات الممكنة: فتحت التقديم الإلكتروني، ونزلت الدليل، ومنحت الطالب فرصة كتابة 45 رغبة، بل ومنعت السستم من قبول أقل من 10 رغبات لضمان توسيع فرص الطالب. وهنا تنتهي مسؤولية الدولة التجهيزية، وتبدأ مسؤولية الطالب وأسرته في التمحيص والسؤال، واستشارة الأقارب والجيران لمعرفة أين تضعهم درجاتهم بناءً على حركة التنافس.

 

من السهل جداً توجيه الاتهامات بالفساد والتقصير للحكومة وإعفاء أنفسنا من المسؤولية. لكن الحقيقة المؤلمة أن سوء تقدير الطلاب والأسر لحجم التنافس الشرس هذا العام، والاعتماد التام على الأرقام الصماء للدليل دون قراءة الواقع الاستثنائي للبلاد، هو ما أدى لهذه الصدمة. القبول يخضع لقانون العرض والطلب؛ كلما زاد عدد الطلاب ذوي الدرجات المرتفعة، ارتفعت نسب الكليات تلقائياً.

 

خروجاً من هذه الدائرة السنوية للاتهامات، أوجّه نصيحة ومقترحاً لوزارة التعليم العالي لتضمينه في دليل القبول ابتداءً من العام القادم:

تخصيص جدول موحد وواضح في الدليل، يستعرض شرائح أعداد الطلاب الناجحين في الشهادة.

بمعنى أن يوضح الجدول: كم طالباً أحرز فوق 90%؟ كم طالباً في شريحة (80%-90%)؟ وهكذا نزولاً حتى الـ 50%. هذا الإجراء البسيط سيمنح الأسر والطلاب أداة علمية دقيقة للتكهن بموقعهم من التنافس، فإذا علم الطالب أن هناك 10 آلاف طالب فوق الـ 90%، سيعلم تلقائياً أن كليات الطب والهندسة ستشهد قفزة كبيرة، مما يدفعه لكتابة رغبات واقعية تحميه من صدمة الخروج من الدور الأول.

حفظ الله السودان، ووفق طلابنا في أدوار القبول القادمة.