حكمة الحداد..!!

 

اليوم التالي – الطاهر ساتي

:: الحروب لا تصقل الشعوب تلقائياً .. النار تذيب الحديد، ولكنها لا تصنع منه سيفاً قاطعاً، فالصانع الماهر هو من يحول الكتلة المحترقة إلى سلاح ينبض بالحياة، أما الحداد الغافل فإنه يحرق الحديد ليتحول في نهاية المطاف إلى حفنة رماد..!!

:: وهكذا الشعوب .. ليس كل شعب عبرت فوق أجساده الدبابات خرج نقياً؛ فبعض الشعوب تخرج من جحيم المعارك وهي تخبئ الجمر في صدورها، وكلما رأت نار الفتنة قد خبت نفخت فيها من كراهيتها لتشعلها من جديد تحت لافتات الثأر، فتعاقب نفسها وتعيد إنتاج مأساتها بذات الغباء..!!

:: وفي المقابل، هناك شعوب تستوعب الدرس سريعاً، وتخرج من تحت الأنقاض وهي تردد جملة واحدة: (لن نعود إلى الوراء أبداً).. فالفرق هنا ليس في حجم الموت، ولا في عدد البيوت المهدمة، بل في حكمة الحداد وفطنته بعد أن تخمد النيران وينقشع غبار المعارك..!!

:: تأملوا حال رواندا .. مليون قتيل في مائة يوم فقط، حيث ذبح الجار جاره بالمنجل في أبشع كوابيس البشرية، لكن الحداد الرواندي كان حكيماً، فلم يقل لشعبه انسوا فتضيع الحقوق، ولم يقل اشفوا غليلكم بالدم فتُهلكوا، بل قال لهم: (تذكروا، وحاسبوا، وتعايشوا بأمان)..!!

:: ومن عتمة المأساة ولدت محاكم شعبية، حيث جلس القاتل وجهاً لوجه أمام أم ضحيته ليعترف بجريرته ويطلب العفو، وجاء الحكم رادعاً ومثمراً بأن يبني بيتاً للقرية أو يزرع حقلاً للمتضرر، ومحت الدولة مسميات القبائل من الأوراق الرسمية فصار الجميع روانديين، لتصبح رواندا اليوم الأسرع نمواً..!!

:: كذلك ألمانيا واليابان .. خرجتا من رماد الحرب العالمية وقد مسحت مدنهما بالكامل من الخريطة، فلم تقف الحكومتان لتبكيا على الأطلال وتندبا الحظ العاثر، بل رفعتا شعار: (العمل هو الوطن)، فتدافعت النساء يحملن الأنقاض بأيديهن العارية، وقبل المجتمع أن يعمل 12 ساعة يومياً..!!

:: وهناك فيتنام ..حاربت أمريكا 20 عاماً، وقُتل من شعبها ثلاثة ملايين ونثرت في أجوائها السموم، لم تقع في فخ الحقد التاريخي، بل أطلقت برنامج التجديد، وقالت للفلاح: “أنتج واكسب”، ثم حولت عدو الأمس إلى أكبر شريك تجاري، فنهضت من حقول الألغام لتصبح مصنعاً عالمياً..!!

:: وهنا يكمن الدرس المستفاد لبلادنا وشعبنا .. فالنهضة طاولة بثلاثة أرجل، إن انكسرت واحدة سقطت الطاولة بمن عليها .. الرجل الأولى هي الحكومة، ومهمتها ليست التباهي بتوزيع الإغاثة، بل صناعة معنى جديد للدولة، وأول واجباتها إقامة العدل بلا انتقائية .. فلا انتقام خارج القانون، ولا إفلات من القانون..!!

:: والرجل الثانية هي المجتمع.. والمجتمع هو الحديد نفسه، فإن ظل أسيراً لسؤال العجز: (من فعل بنا هذا؟) فلن يرفع حجراً في جدار المستقبل، أما إن انتفض وسأل: (ماذا سنفعل نحن الآن؟) فقد بدأ النهضة..فالأمهات في رواندا هن من حاصرن خطاب الكراهية، فالإعمار – والوعي – يبدأ من الحي..!!

:: والرجل الثالثة هي الإعلام، وهو المنفاخ الذي يوجه هواء الكير.. منفاخ الفتنة يزيد النار اشتعالاً، بينما منفاخ البناء يوجه الحرارة لتشذيب الحديد وصناعة السيف.. وإعلام النهضة لا يسمي الضحية بقبيلته ليوغر الصدور، بل يفتش عن المزارع الذي ينتج وسط الموت، والمهندس الذي يبتكر الحلول من وسط ركام الدمار..!!