الشاعر يوسف الحبوب لـ(اليوم التالي): للشعر السوداني خصوصيته وملامحه، نستمدها من ملامح حياتنا الثقافية..

تجايلنا مع من سبقونا في مسيرة الإبداع والوعي الفكري..
الشعر هو الأثر الفعلي لأنسنة الواقع وتدفق الرؤى الخلّاقة.
المكان هو الناس والذكريات واستنشاق الحياة الزاهية…
الشاعر يوسف الحبوب من الأصوات الشعرية التي ظهرت في منتصف الثمانينيات، وعُرِفَ من خلال ما كان ينشر قصائده بالمجلات والصحف. شارك في العديد من المهرجانات الشعرية بالعراق والأردن وسوريا، أصدر مؤخراً ديوانه (محاولة لتسلق ظل الوردة) عن دار صفصافة بالقاهرة وتمت ترجمته الى الفرنسية.. يعد الحبوب من أشد المدافعين عن قصيدة النثر، ويقيم في سلطنة عمان منذ فترة طويلة حيث يعمل بالمحاماة.
في حوار (اليوم التالي) حول الكتابة وجدل القصيدة الجديدة وتحولاتها..
اليوم التالي: محمد إسماعيل
* أنت واحد من الشعراء، أنتجتهم مرحلة الثمانينيات في الحياة الثقافية في السودان، ما الذي ميَّز تلك المرحلة وجعلها علامة مميزة وبارزة في مسيرة الأدب السوداني؟
– تلك يا صديقي أيام خالدات، فقد تجايلنا مع من سبقونا في مسيرة الإبداع والوعي الفكري الباكر، تلك كانت فترة لا يوجد فيها الطارئون على الأدب والعاطلون به. كانت المنتديات تعجُّ بالأفذاذ من كبار المبدعين ومن الشباب المثابر لمستقبل عظيم مسيرته الديمقراطية وحرية الفكر وما ينفع الناس، تزدهي الجندول ويصدح محمد محي الدين في رابطة الجزيرة للآداب وتصدر الزرقاء في سنار.. وهكذا، أين نحن من هذا الآن؟ يوجهنا محمد عبد الحي ويأخذ بأيدينا علي المكّ، ويصفق لنا إعجاباً النور عثمان أبكر.. أين نحن من هذا الآن؟ الأدب حينها كان قضية تشغل بال المبدعين كما غيره من ضروب الفكر والفنّ، والمسارح مشروعات أبوابها للمبدعين، والصحف تذخر بمنتوج ومساجلات أدبية وإبداعية، ومهرجانات الموسيقى تنتج صوتاً وفكراً، أين نحن من هذا الآن؟ يا عزيزي؛ حتى المدن كانت نظيفة.
* ما المحطات التي أثرت في رحلتك مع الشعر؟
– النشأة الأولى حيث مكتبة الوالد رحمه الله، وكذلك مكتبة جدي الفقيه العالم إبراهيم عمر قرة العينين، وجلستُ أنهل وأقرأ، قرأت باكراً لعمر بن أبي ربيعة، وكنت صغيراً جداً لا أنام إلا وأنا أحضن جهاز المذياع أستمع إلى الإذاعات كلها، وأتوقف عند أغنية ما، وأستعجب لماذا عند قراءتي لكتاب الأغاني الموجود في مكتب الوالد لا أجدهم يتحدثون عن هذه الأغنية؟! إذ كنت في تلك السن المبكرة أعتقد أن كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني صنف لكتاب زهرة الأغاني الذي نشتريه من الأكشاك بالمحطة الوسطى بأم درمان.. وهكذا بدأت أتلمس الأشياء باهرة الجمال وأنا صغير جداً، إلى أن أتت محطة التحول الكبرى وأنا قد خرجت من أم درمان إلى كادقلي وكان الفتح.. الطبيعة الخلابة، الأرض الخضراء، المحبة المتدفقة بين الناس في ذلك الزمان، فبدأت أهوى الرسم بصورة غير طبيعية حتى عندما يأتي وقت استذكار الدروس تجدني أرسم وأُلوِّن وأحاول أن أبهج نفسي بما أنتجه، مما أدى إلى تدخل الأسرة بضرورة أن أركز في الواجبات المدرسية، وكان أن بدأت أعبر ببديل آخر لما يعتريني في الدواخل من بذرة تريد الخروج، وكانت تلوذ باللون والفرشاة. كانت الكتابة، ولك أن تتخيل أن أول قصيدة قد كتبتها وأنا في مرحلة الدراسة الألية كانت بمناسبة مرور أربعين يوماً على رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، وقد ألقيتها بنفسي وسط استغراب الحاضرين بالنادي الأهلي جوار حيّ السوق بمدينة كادقلي. لا أتذكر منها شيئًا، ولكنني أذكر أن من بين الحاضرين والجالسين على الأرض يستمعون، صديقي الأثير يحيى فضل الله، ثُمَّ كانت جماعة الموج والبحر بالإسكندرية محطة أخرى زادت من صقلي وأعطتني عافية الكلام وصدقه، وإن كان لصديقيَّ الراحلين د. محمد علي بابكر والدكتور منصور عبد القادر الكثير من الفضل بأن يكونا محطة بارزة في حياتي الشعرية ومثابرتي على الكتاب.
* أنت من حي أبوروف، هذا الحي العتيق، فماذا يعني لك المكان، وما مدى حضوره في تجربتك الشعرية؟
– المكان عندي يتعدى حدوده مكانياً، فالمكان هو الناس والذكريات والزمن واستنشاق الحياة الزاهية والدفاع عن فكرة، وقد شكَّل الكثير مني ومن شخصيتي. فأبوروف مكانٌ خرجت منه بقيم الحيّ وصرامة الوقوف مع الحقّ والمبدأ، وشفافية الروح وتوقانها لمستقبل يصنعه الناس بقوة وبأريحية. المكان يختلط برائحة التراب وطعم الثمار، عندما أشتم رائحة المطر أينما كنت أخالني أتجول في جنينة الحكومة في كادقلي، أو أتنزه بين أشجار الدليب في أبوجبيهة، أو أشاهد توتو كورة عارياً إلا من الحقيقة، في زنك اللحمة بالسوق الكبير تتداعى الأشياء كلها لتذكرك بالمكان وتشعل فيك حنينًا هامسًا. لا أستطيع أن أقاوم أبداً إغراء التلصص للأمكنة، لكي أستدعى الذاكرة حاضرة أمامي أصاب بالذهول مدة من الزمن وأنا في حال هذا الاستدعاء، أشتم رائحة الأشجار وأتذوق طعم ذلك الزمان القديم مكانياً.
* حدثنا عن مفهومك للشعر؟
– الشعر هو الحياة، هو الأثر الفعلي والفاعل لأنسنة الواقع وتدفق الرؤى الخلّاقة، هو كل شيء، هو القطيعة والاستمرار، هو إمبراطوية النفس العارمة بالحياة خلقاً وإبداعاً وابتكاراً. الشعر مستوى رؤية ضد الموت والهزيمة.
* لحظة الكتابة؟
– لحظة الكتابة؛ هي لحظة الشعر عندي وصدقني هي لحظة قد تصيبك بالجنون، حيث تصادف الوعي واللاوعي، الذاكرة والهذيان. أحياناً تحتاج لأن تخزن الأشياء كون أن اللحظة مليئة بالرهق والأمل، ثُم ومفاجأة ترى أنها صارت في قاع الجمجمة تنادي بضرورة خلقها وإكمالها، لحظة الكتابة هي لحظة الخلق.
هل لنا أن نتحدث عن الخصوصية في الشعر السوداني؟ وما ملامحه؟
– في اعتقادي أن الشعر عمومًا يتميز بالخصوصية داخل الإطار العام لمفهوم الشعر، ومن المؤكد أن هذه الخصوصية لا تخرج الشعر من هذا المفعول العام. فشعوري بأن هذا شعر سوداني هو مؤشر بوجود تلك النكهة المكانية والمؤثر المحلي كان ذلك المفردة أو حتى أحياناً من الفكرة الشعرية نفسها، حيث أن الخصوصية قد تنحو منحى الفكرة الشعرية، أو البناء الدرامي للنصّ نفسه، وعلى ذلك توجد للشعر السوداني خصوصيته وملامحه، نستمدها من ملامحنا ليست الشكلية، بل ملامحنا الحياتية والثقافية، والتي تماثل هذا المزج الخلاق بين عروبيتنا وأفريقيتنا، والتي صارت سوداناويتنا عند البعض. هذه حالة من الخصوصية تشير إلى ملمح خاص بالشعر السوداني، كما يوجد ملمح خاص بالشعر في المغرب العربية وغيره. كل ذلك في إطار عالمية أو فضائية الشعر ككائن لا حدود وفواصل جغرافية له.
* هل لا يزال نصّك الشعري واقعاً في شراك الأيدلوجيا؟
– هذا في اعتقادي سؤال اتهامي، ولكن دعنا نفسر الأشياء بشكل أكثر واقعية، ولنتفق على أن الأيدلوجيا جزء من الحياة وخاصة الحياة المعاصرة، كفكرة أساسية، ولذا فإن تشكلها ضمن إطار العمل الإبداعي لا يضير العمل الإبداعي بل يثريه ولا أعني بذلك المباشرة، وهي القاتلة للنصّ والمستخفية بعقل المتلقي وعلى هذا تماماً في الحراك اليومي وعادية الأشياء والحياة لأجعل منها عملاً خلّاقاً ومبدعاً.
* حظيت قصيدة النثر بانتقادات حادة من النقاد ومن شعراء التفعيلة؛ البعض يعتبرها الأفق النهائي للشعر.. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟
– قصيدة النثر هي مولود طبيعي وجنين شرعي لتطور القصيدة. الآن الطارئون على الشعر وضعاف الشاعرية قد شوهوا قصيدة النثر، فالاستسهال هو الذي أدى إلى هذا الاتهام، فأصبح كل من أراد أن يكتب شيئًا مبهمًا وشائهًا أسماه بقصيدة النثر، ولذا علينا الانتباه لهذا الخطر، وأعتقد أنه خطر ينتاب كل الفنون، وانظر إلى الغناء والمسرح وغيرهما من ضروب الفن والإبداع في كل العالم، تجد الطارئين قد استقوا، ولكن تبقى الحقيقة بأن قصيدة النثر موجودة وشاهقة، والشاعر الحقيقي من يعتبر القصيدة أيًّا كان نوعها مشروعًا جمالياً حقيقيًا، ودون ذلك لا شعر ولا قصيدة ولا غيرهما.
* يرى البعض أن زمن الشعر قد انتهى، وأن سلطته قد خبت، وأننا نعيش زمن السرد الروائي. ما رأيك؟
– لعلك تابعت معي ليلة الشعر التي أقيمت في افتتاح جائزة الطيب صالح. هو الشعر، إذن حيّ وزمنه حيّ، لن ينتهي، فبيت شعر أو قصيدة واحدة يمكن أن يكتب عنها بما يوازي سرداً روائياً، وهذا ليس من باب المقارنات، ولكن لا سبيل لانتهاء الشعر أو موت زمنه، قد يقلُّ الاهتمام به بسبب قوة الموجة البصرية في التلقي التكنولوجي، لكنه يبقى الكائن الحي الوحيد بين موات ركام لحضارة.
* ما الذي يشكله لك الزمن كبعد شعري ووجودي؟
– الزمن عندي يرتبط بالعطاء الذهني في لحظة المقاربة بين المعنى الحقيقي الذي تباشر، فدون ذلك يكون أجوفاً، ولا يستطيع أن يصنع صوتًا وضوءًا للطريق وسط عتمة المكان وضبابية المواقف. لا بُدَّ من هذا الارتباط وإلا فقد الشعر بوصلته وقرني استشعاره.
* هناك من يشتكي من تدني مستوى الشعر خصوصاً بعد المدّ التكنولوجي. إلى ماذا يعود ذلك؟ وكيف تنظر إلى شعراء المدونات الإلكترونية؟
– لم يتدنَّ مستوى الشعر، فقط كثر الضجيج، ولكن حتمًا زمن الكتبة سوف يأفل وزمن الكتاب سيجئ. كما أسلفت لك استسهال البعض للكتابة أخرج القصيدة من المشاع. وقد يكون المدّ التكنولوجي له أثر إذا درسنا الظاهرة بطريقة أكثر علمية أو غير انطباعية، ولكن لا بأس أن نستصحب التكنولوجيا في حبل الشعر أكثر رصانة وانتشارًا، لا ضير من ذلك. قد يأتي اليوم الذي نقول فيه؛ دونوا تصحوا، حيث صعوبة الحصول على الكتاب وفظاظة السلطة على الكلمة.
* كانت لك مشاركات في المربدة ومهرجان الشعر العربي وغيرهما. حدثنا عن تلك المشاركات؟
– نعم كانت مشاركات ثرية جدًا، تعرفت حينها على تجارب الآخرين عن كثب، واكتسبت فيها تجارب شعرية وصداقات ممتدة مع عرب وأجانب. ومن المؤكد حتى أن هنالك تأثيراً جيداً على هذه المشاركات من خلال نصوصي الأخيرة والتي أستلهم فيها التقاصد (من قصيدة) كما التثاقف.. نعم، استفدت استفادة قصوى من تجارب المشاركات، خاصة ما يتداول من حديث وشعر من خارج أطر الرسمي، يكفي أن تجلس مع عفيفي مطر أو يوسف رزوقة، أو محمد علي شمس الدين، لتضيف رصيداً جديداً لتجربتك المعرفية ولقصيدتك المستقبلية.
* ما الذي تريد أن تقوله من خلال قصائدك؟
– هذا ما يكتشفه الناس، إلا أن ما أحسّه بأنني كائن مثقل بالكآبة وبهمِّ القصيدة، وأهيم بها كيّ أنفض غبار هذه الكآبة، وهنا فقط إذا أفلحت في ذلك، فسوف أكتشف وأعلم جلياً ماذا تريد أن تقول قصيدتي؟
* كيف تنظر إلى خارطة الشعر السوداني اليوم؟ ومَنْ مِنَ الشعراء جذب اهتمامك؟
– حقيقة أشعر بأن هنالك أجيالاً جيدة مثابرة، ولها قصيدتها المميزة، وأراهن عليهم في أن يجلوا عن القصيدة غبار النخاسة. ألا تشعر معي طغيان القصيدة الفاسدة والعاطلة والممجوجة؟ لكن فعلاً هنالك من يعتمد عليهم من أحداث انقلاب معنى ضدّ هذه الفوضى والثرثرة والتي نعلم أسبابها وترديها.
* ما العلاقة بين الشعر والحرية من وجهة نظرك؟
– إذا لم يعطنا الشعر الحرية فلا حقيقة تبقى في الأرض، وإذا لم تأتِ لنا الحرية بالشعر فإن تنفسنا سيكون برئة واحدة فقط لا غير.
* أنت مقيم بسلطنة عمان، كيف تنظر السلطنة للثقافة؟
– أجواء السلطنة الثقافية تشابه أجواء السودان من حيث التنوع العرقي والثقافي أضفى على الثقافة العمانية طابع الخصوصية. ولذا في ظلِّ دولة وضعت على عاتقها بجدِّ واجتهاد قضية المواطن وثقافته وإتاحة الكتاب والمسرح والأوبرا والمهرجانات والجمعيات الأهلية للسينما والتصوير، هل تعلم أنه رغم وجود الجمعية العمانية للتشكيليين، توجد الجمعية العمانية للتصوير الفوتغرافي أو الضوئي، والجمعية العمانية للكُتَّاب، وأشكال متعدة وطباعة، لا توجد جمارك أو ضرائب على منتجات الطباعة والكتاب والثقافة. حقيقة؛ حياة ثقافية ثريّة ومبهجة.
* أخيراً؛ مشاريعك القادمة هل هناك ديوان جديد في الأفق؟
– هنالك مشاريع في الطريق.. ديوان وكتابات حرة أتمنى أن أتفرغ لإتمامها كما يجب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.