التكامل الزراعي بين السودان ومصر: الولاية الشمالية نموذجاً

السودان – اليوم التالي

 

مهند عوض محمود

منذ آلاف السنين ارتبط شعبا وادي النيل بروابط الدم والجغرافيا والتاريخ؛ وعلى مرّ العصور ظلّ السودان ومصر يشكلان وحدة حضارية متكاملة تقوم على النيل شريان الحياة؛ وقد تُوج هذا الترابط بتوقيع اتفاقية التكامل السوداني المصري في عهد الرئيسين الراحلين جعفر نميري وأنور السادات؛ حيث شهدت تلك الفترة طفرة في التعاون الزراعي والتجاري؛ وأُنشئت مشاريع مشتركة تركت أثراً إيجابياً وملموساً على الاقتصادين؛ من أبرزها مشروع التكامل الزراعي في منطقة الرنك بجنوب السودان آنذاك لزراعة القمح والذرة؛ ومشروع وادي حلفا الزراعي الذي استهدف استغلال الأراضي على الحدود الشمالية لتلبية احتياجات مصر من الحبوب؛ ومشاريع للثروة الحيوانية لتصدير اللحوم إلى السوق المصري؛ بالإضافة إلى إنشاء الهيئة العليا للتكامل السوداني المصري عام 1976 لإدارة هذه المشاريع والإشراف على التنسيق الاقتصادي بين البلدين؛ غير أنّ تقلبات السياسات وتغير الحكومات في البلدين أضعفت تلك الاتفاقية؛ حتى وُئدت عملياً ولم تحقق استمراريتها رغم نجاح بداياتها.

 

 

اليوم تواجه مصر تحدياً استراتيجياً في ملف المياه؛ إذ يبلغ إيرادها من نهر النيل 55 مليار متر مكعب سنوياً؛ بينما يذهب نحو 80% من هذه الكمية إلى القطاع الزراعي؛ وتستورد مصر ما يقارب 12 مليون طن من القمح سنوياً بتكلفة تتجاوز 5 مليارات دولار؛ إضافة إلى فول بقيمة تفوق 1.5 مليار دولار؛ ولو زُرع هذا الحجم من المحاصيل داخل مصر لاحتاج إلى نحو 40 مليار متر مكعب من المياه سنوياً؛ والاستهلاك حوالي 80 مليار متر مكعب أي بجملة 120 مليار متر مكعب؛ ما يترك عجزاً مائياً مقداره 65 مليار متر مكعب؛ ويُغطّى هذا العجز عبر إعادة تدوير مياه الري باستخدام تقنيات متطورة مثل المواسير تحت الأراضي الزراعية؛ إلى جانب التوسع في تحلية مياه البحر.

 

وفي ظل تعداد سكاني وصل إلى 110 ملايين مواطن مصري إضافة إلى 10 ملايين مقيم وضيف؛ يصبح الإجمالي حوالي 120 مليون نسمة مع زيادة سنوية تقدَّر بـ 2%؛ وبهذا ستبلغ مصر في عام 2030 نحو 133 مليون نسمة؛ وفي عام 2050 أكثر من 190 مليون نسمة؛ الأمر الذي يضاعف الحاجة المائية إلى نحو 51 مليار متر مكعب إضافية بحلول منتصف القرن؛ ورغم هذه الضغوط؛ تبذل الدولة المصرية جهوداً جبارة عبر إدارة ملف المياه والري بكفاءة؛ من خلال مشاريع كبرى للترشيد والتقنيات الحديثة التي تعكس جدية ورؤية استراتيجية متقدمة.

 

في المقابل يتمتع السودان بميزة مائية هائلة؛ إذ يبلغ نصيب الفرد أكثر من 1,700 متر مكعب سنوياً؛ أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف نصيب الفرد في مصر؛ وإذا أخذنا الولاية الشمالية نموذجاً؛ نجدها تمتد من الحدود المصرية شمالاً حتى حدود ولاية الخرطوم جنوباً بمساحة تُقدّر بحوالي 348,697 كيلومتر مربع؛ أي ما يعادل تقريباً مساحة جمهورية ألمانيا الاتحادية (357,600 كيلومتر مربع)؛ ويبلغ تعداد سكانها قرابة 850 ألف نسمة فقط؛ وتحدها مصر بحدود برية طولها يقارب 1,200 كيلومتر؛ وترتبط بمصر عبر طريقين بريين (دنقلا – وادي حلفا؛ وأرقين – أسوان) بالإضافة إلى طريق نهري عبر بحيرة النوبة (بحيرة ناصر). وهذه المفارقة بين المساحة الشاسعة والكثافة السكانية المنخفضة تجعل من الشمالية أرضاً بكراً مؤهلة لتكون سلة غذاء كبرى إذا ما جرى استثمارها بالشكل الأمثل.

 

وتكمن الثروة الكبرى في الحوض النوبي الجوفي الممتد في الصحراء الكبرى غرب الولاية الشمالية؛ حيث تقع 75% من مساحته داخل السودان؛ مما يفتح آفاقاً غير محدودة لاستدامة مشاريع زراعية كبرى؛ وتحتضن الشمالية أكثر من 10 ملايين فدان صالحة للزراعة؛ إذا استثمرت باستخدام التقانة الزراعية والخبرة المصرية يمكن أن تنتج نحو 25 مليون طن من القمح سنوياً؛ إلى جانب إنتاج كميات ضخمة من الفول والذرة والقطن والخضروات؛ وهي محاصيل لا تلبّي فقط حاجة البلدين؛ بل يمكن أن تتحول إلى فائض للتصدير يعزز الأمن الغذائي الإقليمي.

 

تكمن نقاط الضعف في مصر في محدودية المياه وضغط الكثافة السكانية؛ لكنها تمتلك نقاط قوة هائلة تتمثل في الميزانيات المرصودة؛ القدرات التقنية؛ منظومات الري الحديثة؛ الخبرة الزراعية؛ الإدارة الرشيدة؛ والعمالة الماهرة؛ أما السودان؛ فرغم وفرة المياه والأراضي الخصبة ووفرة الموارد الطبيعية؛ إلا أنه يعاني من ضعف البنية التحتية؛ محدودية التمويل؛ وقلة التقنية.

وهنا تبرز أهمية النظر إلى نماذج التكامل الناجحة إقليمياً ودولياً؛ فقد استطاع الاتحاد الأوروبي عبر سياسته الزراعية المشتركة أن يحقق الاكتفاء الذاتي ويصبح أكبر مصدر للمنتجات الزراعية في العالم؛ كما أن دول الخليج العربي واجهت مشكلة شح المياه عبر استثمارات زراعية مشتركة في السودان وأفريقيا لخدمة أمنها الغذائي؛ وفي المغرب العربي تعاونت الجزائر وتونس وليبيا في استغلال الأحواض الجوفية المشتركة للزراعة الصحراوية؛ بينما نجحت كندا والولايات المتحدة في بناء تكامل زراعي وتجاري متين قائم على التخصص وتقسيم العمل؛ وكلها شواهد على أن التكامل حين يُبنى على المزاوجة بين الموارد والخبرة والإدارة يمكن أن يصنع نهضة اقتصادية حقيقية .

 

ومن هنا فإن الجمع بين موارد السودان الطبيعية؛ وإمكانات مصر التقنية والمالية؛ يُشكّل وصفة مثالية لتحقيق الأمن الغذائي للبلدين معاً؛ ويجعل من مشروع التكامل الزراعي واقعاً عملياً يعيد الروح إلى اتفاقية نميري – السادات بصورة أكثر رسوخاً واستدامة؛ إنّ الولاية الشمالية يمكن أن تتحول إلى سلة غذاء مشتركة للسودان ومصر؛ إذا ما جرى تفعيل تكامل استراتيجي يوازن بين موارد السودان وقدرات مصر؛ وفي عالم يتزايد فيه الطلب على الغذاء وتشتد فيه المنافسة على المياه؛ يصبح التكامل الزراعي ليس خياراً بل ضرورة وجودية لشعبي وادي النيل وفقا لوكالة المحقق الإخبارية.


لمتابعة أخبارنا انضم إلى مجموعتنا في الواتساب
انضم الينا في الواتساب