البحر الأحمر والقرن الأفريقي: حين يتحوّل الاضطراب الأمني إلى فاتورة اقتصادية عالمية

مهند عوض محمود – اليوم التالي

 

تحوّل البحر الأحمر والقرن الأفريقي خلال الفترة الأخيرة إلى إحدى أكثر الساحات حساسية في منظومة الأمن الإقليمي والدولي، ليس بفعل حرب تقليدية أو مواجهة مباشرة، وإنما نتيجة تراكم مسارات سياسية وأمنية واقتصادية متداخلة ، جعلت من هذا الفضاء البحري والبري نقطة تماس بين مصالح دولية كبرى وصراعات محلية غير محسومة ؛ هذا التحول لم يأتِ فجأة، بل كان نتاج سنوات من عسكرة الموانئ، وتدويل أمن الملاحة، وتزايد استخدام الجغرافيا الساحلية كأداة نفوذ سياسي وأمني، إلى جانب تحوّل طرق التجارة العالمية نفسها إلى عنصر ضغط استراتيجي، حتى بات أي تطور محدود في إحدى عقد هذا الإقليم قادراً على إحداث ارتدادات تتجاوز حدوده المباشرة وتمس صميم الاقتصاد العالمي.

 

في هذا السياق، برز ملف أرض الصومال بوصفه إحدى أكثر القضايا القابلة لإعادة تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي المطلّ على خليج عدن وقربه من باب المندب، وإنما أيضاً بسبب طبيعته القانونية والسياسية غير المحسومة، والتي جعلته بيئة جاذبة لمحاولات الاختراق الخارجي، سواء عبر بوابة الاقتصاد والموانئ أو عبر قنوات الأمن والاعتراف السياسي. وقد دخل هذا الملف مرحلة جديدة بعد الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وهو تطور كسر أحد أهم المحظورات السياسية المرتبطة بوحدة الصومال، وفتح الباب أمام سيناريوهات تتجاوز الحدث ذاته إلى إعادة ترتيب أوسع للاصطفافات الإقليمية، في إقليم يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية وتنافس محموم على السواحل والممرات البحرية.

 

غير أن خطورة هذا التحول لا تتوقف عند أبعاده السياسية والأمنية، بل تتجسد بشكل أوضح في آثاره الاقتصادية المباشرة؛ فحالة عدم اليقين الأمني في البحر الأحمر وباب المندب انعكست سريعاً على سلوك شركات الشحن والتأمين، وأعادت رسم خريطة التجارة البحرية العالمية. إدراج أجزاء من البحر الأحمر ضمن المناطق عالية المخاطر أدى إلى فرض أقساط إضافية لما يُعرف بتأمين مخاطر الحرب؛ وهي أقساط تُحتسب كنسبة من قيمة السفن أو الشحنات، ولا تُرفع تلقائياً حتى في فترات الهدوء النسبي، ما يعني زيادة ثابتة في كلفة العبور البحري. أمام هذا الواقع، اضطرت شركات شحن كبرى إلى تحويل مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس نحو طريق رأس الرجاء الصالح؛ وهو خيار يضيف آلاف الأميال البحرية إلى الرحلة الواحدة، ويرفع زمن الشحن بما يتراوح بين عشرة وخمسة عشر يوماً، مع ما يصاحب ذلك من زيادة استهلاك الوقود، وأجور الطواقم، وتكاليف التشغيل، واختلال جداول التسليم. هذه الزيادة لا تبقى محصورة في دفاتر شركات الملاحة، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع، وتُحمَّل على كاهل المستوردين ثم المستهلكين النهائيين.

 

تأثير هذا التحول كان واضحاً أيضاً على موثوقية سلاسل الإمداد العالمية؛ فالتأخير الناتج عن تغيير المسارات أربك الصناعات التي تعتمد على التدفق المنتظم للمواد الخام والمكونات، لا سيما في أوروبا، حيث تعتمد قطاعات السيارات والصناعات التحويلية والطاقة على خطوط إمداد تمر تقليدياً عبر البحر الأحمر. هذا الاضطراب لا يعني فقط ارتفاع الكلفة، بل يفرض على الشركات زيادة المخزون الاحتياطي وتجميد رؤوس أموال إضافية، ما ينعكس سلباً على الكفاءة والإنتاجية، ويحوّل أمن الملاحة من مسألة لوجستية إلى عامل مباشر في معادلة التضخم العالمي، إذ ينعكس ارتفاع كلفة النقل والتأمين على أسعار الغذاء والطاقة والسلع الصناعية في وقت تعاني فيه الاقتصادات الكبرى أصلاً من ضغوط تضخمية متراكمة.

 

 

أما على مستوى الدول والممرات المرتبطة بالبحر الأحمر، فإن الأثر الاقتصادي يظهر بوضوح في تراجع حركة السفن وإيرادات الخدمات اللوجستية، وفي مقدمتها قناة السويس؛ فحتى التراجع الجزئي أو التذبذب في أعداد السفن العابرة ينعكس فوراً على الإيرادات، ويضع مصر، بوصفها الدولة المالكة للممر، أمام معادلة صعبة بين تقديم حوافز لجذب السفن أو تحمّل خسائر مباشرة في الإيرادات ، مع مخاطر تحوّل المسارات البديلة إلى واقع دائم إذا طال أمد عدم اليقين.

 

ولا يمكن عزل هذه التداعيات عن السودان، ولكن من زاوية مركّبة تتطلب تمييزاً دقيقاً بين طبيعة الصادرات؛ فالذهب السوداني لا يُصدَّر عبر البحر (وهذه محمدة)، إلا أن الجزء الأكبر من الصادرات السودانية غير الذهبية يعتمد على النقل البحري عبر ميناء بورتسودان، وفي مقدمتها السمسم؛ الفول السوداني؛ حب البطيخ؛ الحمص (الكبكبية)؛ الكركدي؛ القطن؛ والعدسية. هذه السلع الزراعية تمثل العمود الفقري للصادرات السودانية إلى أسواق آسيا والشرق الأوسط ؛ وعليه فإن أي ارتفاع في كلفة التأمين البحري أو إطالة زمن الشحن نتيجة التحويل إلى رأس الرجاء الصالح ينعكس مباشرة على تنافسية هذه الصادرات، سواء من حيث السعر النهائي أو الالتزام بمواعيد التسليم، ما يضغط على هوامش الربح ويضع المنتج السوداني في منافسة غير متكافئة مع موردين يتمتعون بممرات أكثر استقراراً.

 

في المقابل، وعلى مستوى الواردات، يدفع هذا الواقع السودان إلى تفضيل سلاسل إمداد أقصر وأكثر استقراراً من حيث الزمن والكلفة والمخاطر؛ وفي هذا السياق تبرز مصر بوصفها الشريك التجاري الأكثر قدرة على الاستجابة لهذه المعادلة، ليس فقط عبر الطرق البرية والمعابر الحدودية، وإنما أيضاً عبر النقل البحري المباشر بين الموانئ المصرية وبورتسودان، وهو مسار لا يمر بالمناطق عالية المخاطر في جنوب البحر الأحمر، ولا يخضع لنفس مستويات أقساط التأمين المرتفعة المرتبطة بالملاحة الدولية العابرة لباب المندب. هذا العامل منح الصادرات المصرية ميزة تنافسية واضحة في السوق السوداني، خاصة في مواد البناء والتشييد والمواد الغذائية الأساسية، والأدوية.

 

وقد عكس عام 2025 هذا التحول بصورة عملية؛ إذ سجّلت الصادرات المصرية إلى السودان نحو 760.2 مليون دولار خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025 مقابل 723.6 مليون دولار للفترة نفسها من 2024، بزيادة تقارب 5 في المئة؛ فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 985.2 مليون دولار خلال الفترة ذاتها. والأهم أن التركيب السلعي للصادرات المصرية جاء متوافقاً مع احتياجات السودان المباشرة، حيث تصدرت منتجات المطاحن والحبوب والدقيق؛ ثم الحديد ومصنوعاته؛ ثم الأسمنت ؛ ثم السكر ومصنوعاته؛ ثم الزيوت النباتية؛ وهي مجموعات سلعية تعكس تفضيل مورد قادر على الجمع بين النقل البحري الآمن والنقل البري المرن، بعيداً عن تقلبات الممرات البحرية عالية المخاطر.

 

 

ضمن هذا المشهد، تتوزع السيناريوهات المتوقعة على ثلاثة مسارات رئيسية؛ الأول يقوم على إدارة حذرة للتطورات السياسية المرتبطة بأرض الصومال بما يسمح بتهدئة نسبية تعيد جزءاً من الثقة إلى الملاحة مع بقاء كلفة النقل والتأمين أعلى من مستوياتها التاريخية؛ الثاني يفترض تصعيداً سياسياً أوسع يكرّس البحر الأحمر كممر عالي المخاطر ويدفع التحويل نحو رأس الرجاء الصالح ليصبح خياراً شبه دائم؛ أما الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في عسكرة متسارعة للسواحل وتحول المنطقة إلى ساحة تنافس مفتوح، لا يغلق الممرات لكنه يفقدها عنصر الموثوقية، وهو السيناريو الأكثر ضرراً للتجارة العالمية وللاقتصادات الهشة المعتمدة على الزراعة والتصدير الخام.

 

الخلاصة أن ما يجري في البحر الأحمر والقرن الأفريقي لم يعد أزمة أمنية عابرة، بل تحوّل إلى فاتورة اقتصادية عالمية تُدفع يومياً؛ ومع كل يوم يمر دون استقرار حقيقي، ترتفع كلفة النقل والتأمين، وتتآكل تنافسية الصادرات الزراعية، ويزداد الضغط على اقتصادات تعتمد على التجارة الخارجية مثل السودان؛ وهو ما يجعل أمن هذا الممر ليس شأناً إقليمياً فحسب، بل عنصراً حاسماً في استقرار الاقتصاد العالمي ومساراته المستقبلية وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.


لمتابعة أخبارنا انضم إلى مجموعتنا في الواتساب
انضم الينا في الواتساب