السودان – اليوم التالي
مهند عوض محمود
في لحظة سياسية دقيقة يعيشها السودان جاءت زيارة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس إلى دولة إريتريا لتستوقف المراقبين الإقليميين ومتابعي ملف البحر الأحمر؛ فالزيارة التي أُعلن عنها باعتبارها خطوة لتعزيز التعاون الثنائي لم تكن مجرد تحرّك بروتوكولي عابر؛ بل حملت في طيّاتها إشاراتٍ تتجاوز ظاهر التصريحات الرسمية.
وقد استُقبل إدريس في أسمرا من قِبل وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح محمد الذي يتولى المنصب منذ عام 2007، وهو من أقدم وزراء الخارجية في القارة، ما يعكس حرص القيادة الإريترية على منح الزيارة ثقلاً سياسياً خاصاً ومستوى استقبالٍ رفيعاً.
عاد رئيس الوزراء إلى بورتسودان معلناً عن اتفاقيات ومشروعات مشتركة تشمل التعاون في مجالاتٍ متعددة مثل مصائد الأسماك في البحر الأحمر، والاستثمار في التعدين والذهب، وإنشاء مصافٍ نفطية، إلى جانب التنسيق في المحافل الدولية وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي. غير أن هذه المشاريع التي تبدو طموحة على الورق تبدو في الواقع بعيدة المنال؛ فالسودان الذي أنهكته الحرب ويعاني من تدهورٍ في البنية الاقتصادية لا يملك حالياً المقومات التي تمكّنه من إنشاء مصفاة جديدة، إذ إن مصفاة الجيلي متوقفة منذ اندلاع الحرب ومصفاة بورتسودان تعمل بأقل من طاقتها ؛ أما إريتريا فهي دولة صغيرة ذات اقتصادٍ محدود القاعدة؛ يعتمد بدرجة كبيرة على التعدين، خصوصاً إنتاج الذهب والنحاس والزنك من مناجم مثل بيشا وزارا التي تديرها شركات كندية بالشراكة مع الحكومة؛ إلا أن هذا القطاع يظل هشّاً أمام تقلبات الأسعار العالمية ومحدودية التمويل الداخلي، كما أن بقية قطاعات الاقتصاد كالسياحة والزراعة والخدمات تظل محدودة المردود ولا تتيح تمويل مشروعات ضخمة كمصافي النفط أو المجمعات الصناعية المقترحة؛ لذلك فإن الحديث عن هذه المشاريع يبدو أقرب إلى الأحلام منه إلى الواقع.
من هنا يبرز التساؤل: هل هذه المشاريع هي الغاية في حد ذاتها، أم أنها واجهة لرسائل أعمق؟ وهل ما قاله رئيس الوزراء هو كل ما أراد قوله، أم أن هناك ما أُخفي عمداً؟ إن توقيت الزيارة وسياقها الجيوسياسي يوحيان بأن وراءها بعداً آخر يتجاوز التعاون الثنائي؛ فإريتريا، التي تملك موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر وتمتد سواحلها من مصوع حتى عصب، أصبحت لاعباً حاضراً في معادلات التنافس الدولي، خاصةً بعد أن فتحت قنواتها مع موسكو واستقبلت وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فيما التقى الرئيس أسياس أفورقي بالرئيس فلاديمير بوتين أكثر من مرة، مقدّماً بلاده كشريكٍ محتمل لروسيا في البحر الأحمر.
في المقابل يسعى السودان إلى إعادة تموضعه في هذه المعادلة بعد تعثّر مشروع القاعدة الروسية في بورتسودان نتيجة الحرب والانقسام الداخلي؛ ومن هذه الزاوية يمكن قراءة زيارة كامل إدريس باعتبارها محاولة لإبقاء السودان في قلب اللعبة، وتأكيد أنه لا يمكن لأي طرفٍ دولي أن يتقدم في البحر الأحمر من دون المرور عبره. فإطلاق مشاريعٍ كبرى مثل المصافي والتعدين قد يكون في جوهره تغليفاً دبلوماسياً لملفاتٍ تتعلق بالبنية التحتية الساحلية وتبادل الخدمات اللوجستية مع أطرافٍ دولية، وعلى رأسها روسيا التي تبحث عن موطئ قدمٍ آمن ومستدام في الإقليم.
ومن المرجّح أن السودان يدرك أن تنفيذ هذه المشاريع لن يكون ممكناً بإمكاناته الذاتية ولا بقدرات إريتريا المحدودة، وأن دخول شريكٍ خارجي قوي مثل روسيا هو الخيار الواقعي الوحيد ؛فموسكو تمتلك رأس المال والتكنولوجيا والخبرة في إنشاء المصافي والموانئ وإدارة مشاريع التعدين، بينما يحتاج السودان إلى دعمٍ سياسي واقتصادي يخفف عزلته، وتحتاج إريتريا إلى استثماراتٍ تُنعش اقتصادها وتمنحها وزناً إقليمياً؛ وهكذا يمكن أن يصبح السودان وسيطاً وميسّراً لدورٍ روسي متزايد في البحر الأحمر في صيغةٍ تحقق مصالح الأطراف الثلاثة.
غير أن هذا السيناريو، إن صحّ، يظل محفوفاً بالتحديات ؛ فوجود روسيا على السواحل الإريترية أو السودانية سيعيد رسم توازنات المنطقة ويستفز قوى دولية تراقب التحركات الروسية بدقة؛ كما أن تنامي النفوذ الروسي قد لا يكون بالضرورة مضرّاً للسودان، إذ قد يجبر القوى الإقليمية الأخرى على إعادة تقييم مواقفها، ويدفعها للانخراط في شراكاتٍ اقتصادية وأمنية توازن الحضور الروسي بدلاً من مقاومته ؛ ومن هذا المنظور يمكن القول إن الخرطوم، بقدر ما تفتح الباب لروسيا، تفتح أيضاً الباب لتفاعلاتٍ جديدة قد يستفيد منها الإقليم بأسره.
وفي ختام المشهد بدا لافتاً ما جرى في المؤتمر الصحفي الذي عُقد في بورتسودان عقب عودة رئيس الوزراء؛ إذ لم يكن كامل إدريس هو من أنهى المؤتمر، بل جاءت كلمة «شكراً جزيلاً» على لسان وزير الإعلام خالد الأعيسر الذي كان يقف إلى يمينه؛ وهو ما يوحي بأن المؤتمر كان محدداً مسبقاً ومتفقاً على مجاله الزمني ونطاق السرد، وأن وزير الإعلام أدرك بدقّة أن رئيس الوزراء قد وصل إلى آخر نقطة في السطر الأخير من النص؛ ما يعزز الانطباع بأن التصريحات كانت مدروسة ومضبوطة الإيقاع بعناية، وأن ما قيل كان بقدر ما أُريد أن يُقال، لا أكثر.
وفي المحصلة فإن المشاريع التي أعلنها رئيس الوزراء لا تبدو سوى أحلامٍ كبيرة في ظروفٍ صغيرة؛ فالسودان وإريتريا معاً لن يقدرا على تنفيذها وحدهما، وهو ما يجعل احتمال وجود روسيا في خلفية المشهد أمراً منطقياً بل راجحاً؛ فربما اكتفى كامل إدريس بالتصريح بما يسد رمق المواطن، بينما الحقيقة الأعمق أن ما جرى في أروقة أسمرة يتجاوز الوعود التنموية إلى ترتيباتٍ استراتيجية تُعاد صياغتها بصمت على سواحل البحر الأحمر، حيث تتقاطع المصالح وتتشكل التحالفات الجديدة، وحيث يبدو أن السودان يسعى لأن يكون طرفاً فاعلاً لا مجرد متفرج في اللعبة الروسية المقبلة وفقا لمصادر وكاله المحقق الإخبارية.
