حين تنهار الأسطورة: كيف بدأ السمسم السوداني يفقد عرشه العالمي؟

مهند عوض محمود – اليوم التالي

لم يكن السمسم في السودان مجرد محصول نقدي؛ بل كان لعقود طويلة عنواناً للميزة التنافسية ومصدراً رئيسياً للعملة الصعبة؛ وقطاعاً يربط الريف بالاقتصاد العالمي ويمنح البلاد موقعاً متقدماً في تجارة سلعة مطلوبة عالمياً. ما يحدث اليوم لا يمكن وصفه بتراجع عابر؛ بل هو انزلاق حاد من موقع الريادة إلى هامش السوق؛ في وقتٍ تتسارع فيه دول أخرى لاحتلال المساحة التي تركها السودان.

السوق العالمي أعاد تشكيل نفسه بسرعة. الطلب في أعلى مستوياته؛ تقوده الصين التي تستورد ما بين 1.4 إلى 1.5 مليون طن سنوياً؛ لكن السودان الذي كان أحد أعمدة هذا السوق تراجع إلى أرقام هامشية. النيجر قفزت لتصبح المورد الأول للصين بحجم يتجاوز 450 ألف طن؛ تنزانيا رفعت إنتاجها إلى حدود 250 ألف طن؛ موزمبيق استقرت بين 100 و120 ألف طن رغم التذبذب المناخي؛ أما البرازيل فقدّمت المثال الأوضح على التحول؛ إذ رفعت إنتاجها من نحو 50 ألف طن إلى أكثر من 450 ألف طن خلال أقل من أربع سنوات؛ معتمدة على الزراعة الميكانيكية واسعة النطاق وانخفاض التكلفة والانفتاح على الأسواق.

لكن المؤشر الأخطر ليس في الكميات فقط؛ بل في الحصة السوقية نفسها. ففي عام 2018 كان السودان يمد الصين بنحو 254,935 طناً من إجمالي واردات بلغت 827,878 طناً؛ أي ما يقارب 30.8% من السوق الصيني. أما في 2025 فقد هبطت هذه الكمية إلى 26,618 طناً فقط من إجمالي 1,460,169 طناً؛ أي نحو 1.8% فقط. هذا يعني أن السودان خسر ما يقارب 94% من حصته في أكبر سوق عالمي خلال سنوات قليلة؛ سقوط حاد وسريع من موقع المورد الرئيسي إلى موقع هامشي لا يُذكر.

في هذا المشهد؛ لم يخسر السودان لأن أرضه أقل خصوبة أو لأن جودة سمسمه تراجعت؛ بل لأنه أصبح الأعلى تكلفة والأقل انتظاماً. السعر وحده يكشف حجم الكارثة؛ السمسم البرازيلي يُعرض في حدود 950 دولاراً للطن؛ بينما السمسم السوداني يصل إلى نحو 1450 دولاراً للطن تسليم بورتسودان. هذا الفارق البالغ 500 دولار هو الفاصل بين البقاء والخروج من السوق. المشترون في الصين لا يشترون التاريخ؛ بل يشترون السعر والاستقرار؛ ولهذا اتجهوا إلى النيجر وباكستان وتنزانيا وموزمبيق والهند حيث يجدون منتجاً أقل تكلفة وأكثر انتظاماً.

الواقع على الأرض أكثر قسوة من الأرقام. هناك شركات سودانية لديها مخزونات فعلية داخل الصين؛ شحنات وصلت وتم تخزينها؛ لكنها عاجزة عن البيع. ليس لأن الطلب ضعيف؛ بل لأن تكلفة هذه البضائع أعلى من أسعار السوق الحالية. هذه الشركات تجد نفسها أمام خيارات كلها خاسرة؛ البيع بخسارة كبيرة؛ أو تجميد رأس المال؛ أو إعادة الشحن بتكلفة إضافية؛ بينما السمسم القادم من دول أخرى يتحرك بسهولة ويستحوذ على السوق.

الأزمة لا يمكن اختزالها في الحرب؛ رغم تأثيرها الكبير. ما حدث أن الحرب كشفت خللاً هيكلياً عميقاً. المنتج في السودان لا يخسر في الحقل؛ بل يُستنزف قبل أن يصل إلى الميناء. طبقات من الرسوم والجبايات تتراكم؛ تكاليف النقل تتصاعد؛ والزمن يطول؛ حتى يفقد المنتج أي ميزة سعرية.

في القضارف؛ تم رفع رسم دعم حرب الكرامة من 2500 جنيه إلى 5000 جنيه للشوال في يوم واحد؛ أي مضاعفة مباشرة دون تقدير للأثر. لا خلاف على أولوية الحرب؛ لكن تمويلها لا يكون بخنق المصدرين. كان من الممكن تخفيض رسوم الجودة التي تبلغ نحو 16 ألف جنيه للطن؛ ثم إضافة رسم محدود ومدروس؛ بحيث لا ترتفع التكلفة النهائية. ما حدث هو العكس تماماً؛ زيادة مباشرة دون إصلاح؛ فارتفعت تكلفة الطن أكثر.

ولم تقف الأزمة عند الرسوم؛ بل امتدت إلى السياسات التمويلية نفسها. فقد ظل قرار البنك المركزي بمنع تمويل المحاصيل الزراعية؛ بما فيها السمسم؛ قائماً لنحو عامين؛ وهو قرار حرم شركات التصدير من السيولة اللازمة للشراء في موسم الحصاد؛ وأضعف قدرتها على التخزين والتجميع والتعاقد المسبق مع المشترين في الخارج. لا يمكن لدولة أن تطالب بزيادة الصادرات؛ ثم تمنع تمويل المحصول نفسه الذي تريد تصديره.

ثم جاءت الضربة الأشد من السياسات النقدية. عند اندلاع الحرب؛ كانت هناك شركات لديها حصائل صادرات في الخارج لم يتم توريدها؛ ولم يكن أحد قد أنذرها بتغير القواعد فجأة. هذه الشركات فوجئت بقرار يلزمها بتوريد هذه الحصائل بسعر الصرف قبل الحرب؛ في حدود 480 إلى 500 جنيه للدولار؛ بينما كان الدولار قد قفز تدريجياً حتى تجاوز 4000 جنيه. الفارق هنا ليس خسارة عادية؛ بل استحالة اقتصادية. كيف يمكن لشركة أن تورد حصيلة بقيمة تقل عن ثُمن قيمتها الحقيقية؟ النتيجة كانت خروج شركات من السوق؛ توقف أخرى؛ ولجوء البعض إلى مسارات غير رسمية؛ وهو ما أفقد البلاد جزءاً كبيراً من طاقتها التصديرية .

ولم تتوقف أزمة التمويل عند قرارات البنك المركزي؛ بل تعمّقت أكثر بسبب تعطل أحد أهم مفاتيح الائتمان في الاقتصاد، وهو سجلات الأراضي. فبعد احتراق المكتب الرئيسي لسجلات الأراضي، تعطلت القدرة على إصدار شهادات البحث التي تُستخدم كضمان أساسي للرهن والتمويل. ومنذ نوفمبر 2025، وعلى مدى أكثر من ستة أشهر، ظل الحديث يدور عن لجنة تُسمى “لجنة إحياء السجل”، لكنها حتى الآن لم تنجح في إعادة تشغيل النظام أو تمكين الشركات من استخراج المستندات المطلوبة. النتيجة أن عدداً كبيراً من الشركات حُرم من التمويل أو إعادة التمويل، ليس بسبب ضعف الملاءة، بل بسبب غياب المستندات. الأخطر من ذلك أنه لم يُعقد أي تنسيق حقيقي بين سجلات الأراضي والبنك المركزي والقطاع المصرفي لوضع حل مؤقت أو بديل يتيح استمرار التمويل. في اقتصاد يعتمد على المواسم الزراعية، هذا التعطيل لا يعني فقط تأجيل الإجراءات، بل ضياع مواسم كاملة.

المشكلة الأعمق أن هذه القرارات لا تصدر ضمن رؤية متكاملة؛ بل تبدو وكأنها إجراءات متفرقة من جهات تعمل بمعزل عن بعضها. ولاية ترفع رسوماً دون تنسيق؛ سياسات نقدية تُفرض دون مراعاة لواقع السوق؛ مؤسسات تعمل كجزر منفصلة بلا هدف موحد. في هذا المناخ؛ ظهرت شركات تابعة لمؤسسات مصرفية أو حكومية تعمل بتمويل مفتوح؛ لكنها بلا علاقات خارجية ولا خبرة في بناء الأسواق؛ بينما يتم تقييد القطاع الخاص الحقيقي الذي يملك القدرة على المنافسة.

كل هذه العوامل اجتمعت لتنتج واقعاً واحداً؛ السمسم السوداني أصبح خارج المنافسة في أهم أسواقه. المشترون الذين وجدوا بدائل أرخص وأكثر استقراراً لن يعودوا بسهولة؛ لأن السوق لا يكافئ التاريخ؛ بل يكافئ الأداء.

النتيجة التي لا يمكن تجاهلها؛ أن أسطورة السمسم السوداني بدأت في التلاشي فعلياً. ليس لأن السودان فقد مقوماته الطبيعية؛ بل لأنه أثقل نفسه بسياسات قصيرة النظر؛ وغياب التنسيق؛ وقرارات تعاقب المصدر بدلاً من دعمه. وإذا استمر هذا المسار؛ فإن ما يحدث اليوم لن يكون مجرد تراجع؛ بل خروج تدريجي من سوق عالمي لا ينتظر أحداً وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.