السودان لا يعاني من الحرب فقط… بل من الصورة التي يراها العالم

مهند عوض محمود – اليوم التالي

 

خلال اجتماعات منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO) التي انعقدت بمقر المنظمة الدولية في فيينا لمناقشة قضايا التعافي الاقتصادي والصناعي في السودان وسوريا وفلسطين، قال المدير العام للمنظمة السيد جيرد مولر عبارة قصيرة، لكنها ربما كانت من أهم ما قيل خلال تلك الاجتماعات.

 

فبعد أن استمع إلى أعضاء وفد اتحاد أصحاب العمل السوداني وهم يتحدثون عن استمرار النشاط في قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة والصادرات رغم ظروف الحرب، قال:

 

“الصورة التي تنعكس لدينا عن السودان مختلفة تماماً.”

 

توقفت كثيراً عند هذه العبارة ؛ ليس لأنها صدرت من مسؤول أممي رفيع فحسب، بل لأنها لامست واحدة من أكثر القضايا تأثيراً على مستقبل السودان الاقتصادي.

 

فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 انشغل العالم بمشاهد الدمار والنزوح والمعاناة الإنسانية، وهي حقائق لا يمكن إنكارها أو التقليل من آثارها. لكن المشكلة بدأت عندما تحولت هذه المشاهد إلى الرواية الوحيدة عن السودان.

 

وأصبح السودان في نظر كثير من المؤسسات والمستثمرين والجهات الدولية مجرد ملف إنساني أو ساحة نزاع، بينما غابت عن المشهد حقائق أخرى لا تقل أهمية.

 

ولعل أفضل مثال على ذلك أن العالم كان يتحدث في فترات عديدة عن خطر المجاعة وانهيار القطاع الزراعي السوداني، بينما كان برنامج الغذاء العالمي يشتري الذرة المنتجة في السودان لتغطية احتياجات دولة جنوب السودان.

 

فالسودان الذي يراه كثيرون من الخارج باعتباره دولة منهكة بالحرب، هو نفسه السودان الذي يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات الزراعية غير المستغلة في العالم، وثروة حيوانية ضخمة، وموارد معدنية هائلة، وموقعاً استراتيجياً يربط بين العالم العربي وأفريقيا.

 

لكن المشكلة ليست في غياب الفرص، بل في ضعف تقديمها للعالم ؛ فقد أثبتت اجتماعات فيينا أن هناك اهتماماً حقيقياً بالسودان داخل المؤسسات الدولية. لكن الاهتمام وحده لا يكفي ؛ فالعالم لا يستثمر في الإمكانات النظرية، بل في المشاريع الجاهزة والرؤى الواضحة والشركاء القادرين على التنفيذ.

 

ولا يمكن تحميل المسؤولية كاملة للإعلام الدولي أو للمؤسسات الخارجية ؛ فنحن أيضاً نتحمل جزءاً من المسؤولية ؛ فلسنوات طويلة غابت منصات الترويج الاقتصادي الفاعلة، وضعف الحضور السوداني المنظم في المحافل الاقتصادية الدولية، وتراجعت عملية تسويق الفرص الاستثمارية السودانية بلغة يفهمها المستثمر العالمي.

 

فـ(عندما يغيب صاحب القصة، يتولى الآخرون روايتها).

 

ومن الإنصاف أيضاً الإشارة إلى الجهد الذي ظلت تبذله البعثة السودانية في فيينا بقيادة سعادة السفير مجدي مفضل، سفير السودان والمندوب الدائم لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، لدى النمسا، في نقل الرواية السودانية إلى المؤسسات الدولية خلال سنوات الحرب.

 

غير أن صوت المنتجين ورجال الأعمال يظل أكثر تأثيراً لدى المستثمرين لأنه يعكس تجربة عملية مباشرة، ولهذا كان الاهتمام واضحاً بكل ما طرحه وفد اتحاد أصحاب العمل السوداني خلال الاجتماعات واللقاءات الثنائية ؛ لقد كان الحضور السوداني في فيينا مثالاً عملياً لما يجب أن تكون عليه المرحلة المقبلة: شراكة بين الدولة والقطاع الخاص، لا أن يعمل كل طرف في مسار منفصل عن الآخر.

 

وفي السياق نفسه، فإن حكومة الأمل تواجه اليوم تحديات داخلية ضخمة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الخدمات والتعامل مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية للحرب. لكن نجاح هذه الجهود يتطلب فتح جبهة اقتصادية خارجية فعالة تعمل على جذب الاستثمار وإعادة بناء الثقة وتقديم السودان بصورة مختلفة للعالم.

 

وهنا يصبح التنسيق بين الحكومة واتحاد أصحاب العمل ضرورة وطنية وليس مجرد خيار تنظيمي. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى حزمة مشاريع واضحة وقابلة للتمويل، مدعومة بدراسات جدوى احترافية، يمكن تقديمها للمؤسسات الدولية والمستثمرين والشركاء المحتملين.

 

كما تحتاج إلى مراجعة البيئة التشريعية والاقتصادية، وعلى رأسها قوانين الاستثمار والإجراءات المرتبطة به، لأن المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم الفرصة، بل ينظر أيضاً إلى مستوى الحماية القانونية وسهولة الإجراءات واستقرار السياسات.

 

ولعل أكثر ما لفت انتباهي في فيينا أن النقاشات لم تكن تدور حول المساعدات بقدر ما كانت تدور حول الاستثمار والإنتاج وسلاسل القيمة والتصنيع الزراعي والتعدين والطاقة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

 

وكان هناك إدراك متزايد بأن التعافي الحقيقي لا تصنعه المساعدات وحدها، بل يصنعه الاقتصاد المنتج والقطاع الخاص القادر على خلق الوظائف وتحريك عجلة النمو.

 

وإذا كانت اليونيدو قد أعلنت عن تنظيم بعثة استثمارية أوروبية إلى السودان خلال الأشهر المقبلة، فإن هذه الزيارة تمثل فرصة مهمة لإعادة تعريف السودان أمام المستثمر الأوروبي بعيداً عن الصور النمطية والانطباعات التي تراكمت خلال سنوات الحرب.

 

فالمستثمر الذي يرى الواقع بنفسه، ويتحدث مباشرة مع المنتجين ورجال الأعمال، ويقف على حجم الفرص المتاحة، يختلف كثيراً عن المستثمر الذي يبني قراراته على ما يقرأه في التقارير أو يشاهده في نشرات الأخبار.

 

ويمتلك اتحاد أصحاب العمل السوداني إرثاً من العلاقات الإقليمية والدولية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في هذه المرحلة، ليس فقط عبر الترويج للفرص الاستثمارية، بل أيضاً عبر استقطاب الوفود الاقتصادية والشركات والمؤسسات التمويلية للاطلاع المباشر على واقع السودان وإمكاناته.

 

لقد كشفت فيينا حقيقة مهمة ؛ أن العالم ليس مغلقاً أمام السودان كما يظن البعض.

 

بل إن هناك اهتماماً حقيقياً واستعداداً للاستماع والتعاون والانخراط. غير أن قيمة هذا الاهتمام لن تقاس بعدد الاجتماعات أو الوفود، وإنما بقدرتنا على تحويله إلى استثمارات وشراكات ومشاريع تخلق الإنتاج والوظائف والنمو.

 

فالتحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس إقناع العالم بأن السودان تعرض للحرب، فالعالم يعرف ذلك جيداً ؛ التحدي الحقيقي هو إقناع العالم بأن السودان، رغم الحرب، ما زال يمتلك ما يستحق الاستثمار فيه. وهذه ليست مهمة الحكومة وحدها، ولا مهمة القطاع الخاص وحده، بل مسؤولية وطنية مشتركة.

فالدول لا تُقاس بما تملكه من موارد فقط، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى قيمة اقتصادية حقيقية يراها العالم ويثق فيها وفقا لمصادر وكالة المحقق الإخبارية.