هذا ما يريده النهج الحاكم..!!

اليوم التالي  – الطاهر ساتي

:: بلغة الجيش (مبروك)، وبلغة الملكية ( ممتاز)، حسب مقالين كتبهما أسامة عبد الماجد ويوسف عبد المنان، فإن قضية شركة العسجد للحلول الذكية لم تعد اقتصادية و عدلية، بل أصبحت سياسية، وذات صلة بالحرب و السلام ، وهذا تطور مهم في مسار القضية، يُشكر عليه يوسف وأسامة ..!!

:: كتب أسامة حكاية جديدة، مفادها أن شركة العسجد حازت على (صفقة ضخمة)، وهي توريد مواد غذائية من مصر لصالح الحكومة، دون عطاء، وتم الصفقة بواسطةلجنة عضويتها وزير الدفاع السابق، وزير المالية، وزير الثقافة والإعلام، محافظ بنك السودان، و آخرين ..!!

:: أسامة يتحدث عن مبادرة القائد العام، وكان شعارها ( نفير القائد، كرامة وطن)، واحتفلوا بتدشينها في أبريل 2025، أي قبل عام و خمسة أشهر، وحسب حكايته فقد تحولت المبادرة إلى (صفقة ضخمة)، و المنفذين لهذه الصفقة هم رئيس وأعضاء اللجنة التي شكلها رئيس مجلس السيادة ..!!

:: وعليه، بما أن صاحب المبادرة هو رئيس مجلس السيادة والقائد العام، وأن السادة أعضاء اللجنة المذكورين أعلاه هم من أشرفوا على الصفقة ونفذوها مع شركة العسجد (بدون عطاء)، حسب حكاية أسامة، فهنا ليس عدلاً أن نسمي الصفقة بالضخمة فقط، بل هي ضخمة و فاسدة أيضاً..!!

:: وأمام قضية كهذه، نطرح أسئلة مهمة..إن كان أسامة قد عرف فساد مبادرة القائد العام بعد عام ونصف العام من تنفيذها، فمتى عرف صاحب المبادرة بكل هذا الفساد؟، أم لم يكن يعرف حتى كشفه أسامه؟، و ثم ماذا بعد أن عرف؟، وهل عدم معرفته فساد مبادرته يُبرئ سيادته من المسؤولية ..؟؟

:: الغريب في الأمر، لم يطرح أسامة تلك الأسئلة، ولم يعدل في توزيع الجريمة على الجناة..ومتجاوزاً صناع الصفقة الفاسدة، صوّب سهام النقد نحو شركة العسجد فقط، وهذا ليس عدلاً..كما طالب بمحاكمة العسجد، كان عليه المطالبة أيضاً برفع الحصانة عن صناع الصفقة الفاسدة ومحاكمتهم ..!!

:: و نرجع لحبيبنا يوسف عبد المنان، فقد كتب مقالاً عجباً، بحيث نجح في تحويل قضية العسجد من ( دافوري محلي) إلى مباراة دولية، موضحاً أن مالك الشركة أيمن أبوجيبين قابل حميدتي شخصياً في كينيا قبل أسبوعين، وقضى معه جلسات مسائية ناعمة، على حد وصفه.. !!

:: لم أفهم المقصود بجلسات مسائية ناعمة، فالمعروف أن جلسات المساء الناعمة هي ليالي الأُنس التي تجمع الأحباب مع حبيباتهم، و لكن مجالس رجال ليست ناعمة، وهذا ليس مهماً ..فالمهم هو أن أيمن أبوجيبين نجح في إختراق سياج فشلت في إختراقه دول و سفارات و منظمات، وهو سياج حميدتي ..!!

:: مندوباً أممياً كان قد شكى قبل أشهر من عجزهم عن الوصول إلى حميدتي ..والكثير من حلفاء الجنجويد سألتهم الفضائيات إن كانوا قد قابلوا حميدتي، فردوا بأنهم يتواصلون معه هاتفياً..وحتى النور قبة، الرجل الثالث في المليشيا، سألناه، فرد بأنه لم يلتق بحميدتي، وأنه يدير المعركة بالهاتف ..!!

:: ورغم هذا السياج الإماراتي العصي القوي، نجح الرجل الخارق أبوجيبين في كسر السياج و لقاء حميدتي كفاحاً، وقضي معه جلسات مسائية ناعمة، أو كما قال يوسف..لاحظوا، جلسات وليست جلسة واحدة، فيما يشتهي سفراء الاتحاد الأوروبي ويتمنوا (لحظة مع حميدتي)، وليست جلسة كاملة ..!!

:: وعليه، إن كان أبوجيبين يتمتع بكل هذه القوة و العبقرية المتجاوزة لطبيعة البشر، بحيث يعمل مع حميدتي لحد إختراق السياج السري المحيط به وقضاء جلسات ناعمة معه، وتعمل زوجته مع حكومة الخرطوم لحد تنفيذ مشاريع البرهان بدون عطاء، فما المانع بأن يحكم السودان و ينهي الحرب ..؟؟

:: أيها الناس، مكافحة الفساد ليست بحاجة إلى أن نطلق العنان للخيال، ليكتب القلم ما يشاء بلا تفكير، ونخدع الناس و ( نسوقهم بالخلاء).. مكافحة الفساد بحاجة إلى مواجهة الحقائق بشجاعة، ومن الحقائق ( لا يستقيم الظل والعود أعوج)، وعود الدولة ليس أعوجاً فحسب، بل ( حلزوني)..!!

:: مثلاً، في قضية العسجد كان يجب أن نسهب في الحديث عن مخاطر تغييب حكومة كفاءات مستقلة، مجلس التشريعي، محكمة الدستورية، المراجع العام، مفوضية مكافحة الفساد.. ثم الأخطر عدم فصل السلطات، بحيث يكون ما للسيادي للسيادي، وما للتنفيذي للتنفيذي ..!!

:: ثم ..ليست في قضية العسجد فقط، بل في قضايا الشركات عموماً يجب الكتابة بمهنية عن الأجهزة والشخوص والقوانين التي تتعامل معها الشركات، وإن كانت هذه العوامل صالحة أم فاسدة؟، و ما يجب أن يكون مصير الفاسد إن كان شخصاً، و ما ينبغي إصلاحه إن كان قانوناً أو مرفقاً..؟؟

:: ولكن قومي يتركون كل هذا، ويرجمون الشركات، الشركات فقط، وكأنها نزلت من السماء، وهذا ما يريده النهج الحاكم ..وهذا النهج يُذكرني بقصة الروائي الذي زار دولة متطرفة، و وجد رجالاً يرجمون إمرأة، و سألهم عن السبب، فقالوا ( إنها زانية)، وسألهم عن الزاني، فأشاروا إلى رجلٍ يرتدي قميصاً أبيض، و كان يرجم معهم ..!!