الطاهر ساتي – اليوم التالي
:: ما قاله مناوي في تدشين الوثبة الأولى لـ”زاد المقاتلين” لم يكن مزايدة سياسية ولا خطبة حماسية، بل كان قولاً ثقيلاً.. قالها بوضوح لا لبس فيه؛ الدولة هي التي قتلت واغتصبت ودعمت وكونت “الدعم السريع” بمالها وسلاحها وبضرائب شعبها..!!
:: وهذه ليست وجهة نظر، بل هي حقيقة تاريخية؛ فالمليشيا التي تقاتل الدولة حالياً تم تجميعها وتدريبها وتأهيلها وتسليحها من خزينة الدولة، وقالوها بالنص: (الدعم السريع خرج من رحم الجيش)، ومن ينكر ذلك فهو يكذب على التاريخ قبل أن يكذب على الناس..!!
:: ولا نفهم سر غضب البعض؛ فالغضب على مناوي محاولة لدفن الرؤوس في الرمال والهروب من مواجهة خطيئة تاريخية كان يجب الاعتراف بها ثم الاعتذار عنها.. ولكنهم غضبوا، رغم أن حديثه نزع ورقة التوت عن عقود من السياسات الكارثية التي أضعفت الجيش وقوّت المليشيات..!!
:: ومن هنا كان إعلان مناوي صادقاً: “نحن متمردون على أي دولة تصنع مليشيا، بأي اسم وتحت أي لافتة”، وهذا ليس تهديداً للدولة كما يتوهم البعض، بل هو دفاع عنها.. وبنهاية هذه الحرب يجب أن نودع دولة الفوضى، ونقبل على بناء دولة المؤسسات، والتي منها دولة الجيش الواحد..!!
:: ونعم، هناك قوات معاونة للجيش، بعضها موروثات وأخرى فرضتها الحرب، ومنها “القوات المشتركة”، وهي قوات حركات وقّعت سلاماً وتقاتل تحت إمرة الجيش دفاعاً عن وحدة السودان، ولا يمكن مساواتها مع مليشيا آل دقلو؛ فثمّة فرق بين من يحمل السلاح مع الدولة ومن يحمل السلاح ضدها..!!
:: ولكن حتى المشتركة نفسها، و”درع السودان” و”البراءون” وكل القوات المساندة، يجب أن يكون مصيرها واحداً بنهاية الحرب، وهو الدمج والتسريح.. فلنتعلم من تجاربنا الغبية بحيث لا يكون للبلد جيشٌ ثانٍ ولا ثالثٌ ولا رابعٌ، بل جيش واحد يحتكر السلاح، وأي سلاح خارج يده هو بذرة لحرب قادمة..!!
:: وهذا هو جوهر “اتفاق جوبا” الذي يتجاهله الكثيرون، فقد نص بوضوح على الترتيبات الأمنية ودمج قوات الحركات في الجيش عبر آليات معلومة.. وما يحدث حالياً ليس حل “المشتركة” وهي تقاتل، بل يتم تنفيذ بند الترتيبات الأمنية، وقد تم دمج البعض وجارٍ دمج الكل بدون صخب..!!
:: أخطر ما خلّفته عقود الحرب ليس الحرب وحدها، بل فلسفتها؛ أي فلسفة “اصنع مليشيا تحارب لك اليوم ثم تحاربك غداً”، والكثير من نشطاء وبلهاء المرحلة لا يعرفون أن أول من سلّح القبائل بغرب السودان هو فضل الله برمة ناصر، زعيم حزب الأمة – جناح الجنجويد – عندما كان وزيراً للدفاع..!!
:: (قوات المراحيل) هي البذرة التي غرسها برمة ناصر عام 1986 بتوزيع السلاح على عشيرته بحجة حماية أنفسهم من هجمات قوات قرنق، فنمت البذرة وتفرعت إلى ما هي عليه الآن..وقد دفع الشعب ثمن هذه الفلسفة دماً ودموعاً، ومن الغباء أن نعيد إنتاجها بالإبقاء على مليشيا أو مليشيات..!!
:: ولذلك، فإن كلام مناوي يجب أن يُسمع كجرس إنذار لا كتصريح عابر، فهو يقول: “لا تعيدوا الخطأ الذي صنعتموه بأيديكم، ولا تأسسوا بضرائب الفقراء ودموع الأيتام مليشيا جديدة تقتلهم غداً”..فالدولة القوية لا تحتاج إلى تسليح المجتمعات، بل إلى جيش واحد وشعب واحد..!!