الطاهر ساتي – اليوم التالي
:: رمية صائبة في الاتجاه الصحيح.. قرأت توجيهاً صادراً عن قيادة درع السودان بالجزيرة لمنسوبيها، بحظر تزودهم بالوقود من المحطات العامة عبر استغلال النفوذ، وحصرهم في محطاتهم، متوعداً المخالفين لهذا التوجيه بصرامة القانون..!!
:: مثل هذا الحسم ليس عقاباً أو تخويناً، بل هو صمام أمان يحمي المقاتل ووحدته معاً؛ فالمقاتل الذي يشهر سلاحه في صف البنزين، لا يملأ خزان سيارته فحسب، بل يفرغ رصيد ثقة المواطن فيه.. والثقة في زمن الحرب أغلى من الذخيرة، فالمعارك تُخاض لأجل هذا المواطن..!!
:: ويجب ألا يبقى التوجيه حبيساً في حدود الجزيرة، بل يتعين تعميمه على كافة القوات النظامية والمعاونة – كالدرع – بلا استثناء وبذات الحزم.. فاستغلال النفوذ لا هوية له ولا رتبة، والمواطن – في صف الوقود – لا يفرق بين شعار وآخر حين يُهدر حقه..!!
:: والقضية تتجاوز لترات الوقود إلى ترسيخ مبدأ كامل؛ فمنع الاحتكاك بين المدني والعسكري في مواقع الخدمات هو الضامن لسلامة العلاقة بينهما.. المدني يبحث عن كرامته، والعسكري يطلب الانضباط، والتقاؤهما بلا نظام يفتح أبواب الفوضى والمشاحنات التي لا تخدم سوى المتربصين بالبلاد..!!
:: ومن هنا تقفز إلى معضلة أوسع، وهي تنظيم الوجود العسكري داخل الحواضر والمدن.. لا نطالب بتفريغ المدن من حماتها، فهذا لا يقوله عاقل، خصوصاً والحرب لم تضع أوزارها بعد، وخلايا المليشيا الغادرة ما تزال تتربص؛ فالوجود الأمني ضرورة ملحة لا ترف..!!
:: ولكن الضرورة لا تبرر الفوضى.. فالوجود المنظم بمهام واضحة ومواقع معلومة هو الذي يبث الطمأنينة في نفوس الناس.. أما التواجد المبعثر بلا ضوابط، في الأسواق والمقاهي، فإنه ينهك هيبة الجندي ويقلق المواطن، ويحول قوة الحماية إلى مصدر دائم للتوتر والاحتجاج..!!
:: المخرج الآمن يكمن في إسناد الشارع للشرطة والأجهزة الأمنية، وإعادتها لواجهة الحياة المدنية.. فالجيوش مكانها الثغور لحماية الأرض، والشرطة مكانها تنظيم الشارع وبسط القانون.. وعندما تتكامل الأدوار، تستقيم الحياة، ويشعر المواطن بأن الدولة قد عادت بعدالتها لا ببندقيتها فحسب..!!
:: وعليه، فإن إشارة درع السودان بالجزيرة ذكية، تذكرنا بحقيقة دامغة: الدول لا تُبنى بالقوة، بل بالانضباط، وأن احترام المواطن في صف الخدمة لا يقل بطولة عن الذود عنه في خط النار، ومن يعجز عن حفظ النظام في السلم، لن يفلح في صون الوطن وقت الحرب..!!