الكلام!!.. كان لقينا العنز 

شيء في سطري

الكلام!!.. كان لقينا العنز

إبراهيم أحمد الحسن

تاهت الغنماية وضاعت وفقدت بوصلة الوصول للبيت، حاجة (ستنا) صاحبة الغنماية أصابها القلق على مصير العنز وقد عادت أغنام الجيران كلها من مراتع الرعي ما عدا غنمايتها الأثيرة.

تتخذ معظم الغنم في حي حاجة ستنا أشكالاً تميل الى الوسامة والجمال وتشبه كثير منها الغزلان والمها التي تغنى لها وبها الشعراء في السودان، كانت كل الأغنام جميلة إلا غنماية حاجة ستنا فقد كانت من الدمامة والقبح بمكان حتى أنها أضحت صنو (البعاتي) والغول والعنقاء التي كان يستخدمها أهل الحى فزاعة ينام على ذكر سيرتها الأطفال وجلين وإن كنت لا أدري ما إذا كانت العنقاء ذاتها قبيحة أم لا ولكنني أوردتها لأنها توأم للغول في الندرة وعدم الوجود وذلك لأنني ببساطة لم أرَ عتقاء تجوب الشوارع، لأنه أصلاً لا توجد في دنيا الناس هذه عتقاء، ربما تستطيع أن تجد الغول والخل الوفي، أما العنقاء فهي حيوان خرافي لا وجود له.

عنز حاجة (ستنا) كانت صهباء اللون حرقتها شموس السودان وصار لونها بنياً (محروق) اختلطت فيه رزنامة من الألوان الشاحبة أصفر أحمر وحتى الأخضر الذي لن تجده في شفق المغارب الذي تغنى له الراحل عبدالعزيز المبارك حتماً ستراه بين ظلال ألوان الغنماية. عنز حاجة ستنا التي أضحت ألوانها كشكول من الأصباغ كانت تتميز بصوف سبيبي بين الرأس والرقبة يشبه لبدة أسد صغير لا يلبث أن يتجعد عند الأكتاف، ثم أصبح بلا شعر عندما يصير الجلد أصلعاً عند منتصف الظهر نزولاً إلى الأضلاع حتى أنك تستطيع أن تعد أضلعها التي شف عنها الجلد الأصلع، كانت العنز مكسورة القرنين، الأول تكسر من أعلاه بسبب مشاجرة شرسة مع عنز مشاغبة هاجمت عنز حاجة ستنا في مستقرها حيث كانت ترقد إلى جنبها الأيمن تصقع (الجِّرَّة) لا تبالي ولا تنشغل بمن هم حولها من الغنم، وصقع الجرة هي عادة تلجأ اليها الأغنام وكل المجترات إذ أنها عندما ترتع تأكل دون أن تلجأ إلى مضغ ما أكلته وإنما تبلع بقليل من المضغ أو بلا مضغ، وعندما تمتلئ معدتها ويحين وقت الاستراحة فإنها تسترجع ما بلعت وتعيد مضغه قبل أن ترجعه مرة أخرى إلى معدتها بعد تنعيمه ليسهل هضمه. وعندما تستكين الأغنام الى عملية الاجترار هذه فإنها لا تريد ولا ترغب في من يعكر عليها صفوها، يزعجها أو يقطع عليها حبال أفكار الاجترار، شغب الغنماية المعتدية تجاوز الحدود فقامت عنز حاجة ستنا من مرقدها وخاضت معركتها، تلك المعركة التي فقدت فيها ربع قرنها الأيمن، أما قرنها الأيسر، فقد اقتلعه من جذوره تصرف أرعن منها حين رأت عشباً أخضر عند طرف المقابر التي أحاط بها سياج من السلك الشائك فأدخلت رأسها بين فتحاته، وعندما حاولت إخراجه علق قرنها الأيسر به وظلت تجذب رأسها والسلك الشائك يقاوم إلى أن انكسر القرن تماماً من جذوره وعادت الى البيت برأس نازفة وبلا قرن، كانت عنز حاجة ستنا بذيل معكوف وكل الأغنام ذيلها معكوف إلا ذيل عنز ستنا المعكوف الذي أبى الا أن يتكور عند نهايته ليصنع له نصف دائرة. كانت عنز ستنا طويلة الأذنين بصورة لا تناسق فيها وكانت الأذن اليمنى مشقوقة في منتصفها واليسرى كان عليها وشم مرسوم بكية من نار خلفت حولها بثوراً ونتوءات، فوق كل ذلك كانت لغنماية ستنا أعين جاحظة حتى أنك تخالها ستسقط من محاجرها اذا نظرت اليك أو بحلقت في مراتع العشب أمامها، وفوق ذلك كانت عيناها ذوات لون أغبر مشرب بحمرة داكنة.

مع هذا الشكل المريب كانت عنز حاجة ستنا كريمة وأجوادة، كانت لا تبخل باللبن على صاحبتها، بل كان ما تجود به من لبن يكفي أسرة حاجة ستنا ويفيض ليصير روب وزبادي وسمن و(غباشة) ثم يمتد الى الجيران خير وفير بلا من ولا أذى، بل كثيراً ما يستخدم لبنها في علاج أمراض الحصبة التي تصيب أطفال الحي، فقد رسخ في الاعتقاد هناك أن هذه العنز مجلبة لحلول وعلاجات لا توجد الا في عالم اللاورائيات والذي ربما تعيش فيه عنز حاجة ستنا بشكلها العجيب هذا.

المهم بوصفها العجيب وصفاتها هذي ضاعت عنز حاجة ستنا، تاهت، خرجت ولم تعد، أوشكت الشمس على المغيب ولم تعد استنجدت حاجة ستنا بجارتها مستورة وطلبت منها مرافقتها في رحلة البحث عن العنز المفقودة، وبعد مداولات قصيرة عن أي المسارات تأخذ رحلة البحث عن العنز رأت ستنا ووافقتها في ذلك مستورة بأن الاحتمال الأرجح هو أنها تاهت في الجبال التي لا تبعد كثيراً عن المدينة وقد كان الاحتمال الآخر أن صويحباتها الأغنام تركنها في الغابة المجاورة.

أوغلت ستنا برفقة مستورة عميقاً بين سلسلة الجبال وبعدت بهما النجعة، أرخى الليل سدوله وعم الظلام، ولم تسفر رحلة البحث عن شيء، فلا أثر لعنز أو أي كائن حي بين الجبال، بل بدأت تصلهما من بعيد أصوات الرياح من قمم الجبال كانت تصل مسامعهما أصوات الأزيز والموار والصهيل والخوار والعزيف، والزعيق، كانت رزنامة أصوات الرياح هذه تصل الى قوقعة أذن مستورة وعصب السمع فيها، تمتد الى وجيب قلبها الذي ملأه الوجل والخوف تقف مستورة تمسك بيد الحاجة ستنا.

حاجة ستنا كان قلبها مشغولاً بعنزها الضائعة ومصيرها المجهول، طغى خوفها على العنز على الخوف من وحشة المكان ورزنامة صوت الرياح، فما كان يشغل بالها شيء سوى أين تجد عنزها الأثيرة؟

مستورة تتذكر العنز وشكلها المخيف، تزيد الأصوات وصداها بين الجبال من وحشة المكان ويزداد خوفها، تتشبث بيد حاجة ستنا وتقول لها في وجل: (الكلام كان لقينا العنز؟)

مستورة تخاف شكل العنز فما بالك إن عثرن عليها وسط هذا الجو المخيف. خوف مستورة هذا يمكنك أن تسقطه على كثير من شؤوننا وشجوننا في السودان يبحث الجميع عن (العنز)، ويظل همس مستورة هو الذي يطغى ويسود (الكلام كان لقينا العنز)!!!


لمتابعة أخبارنا انضم إلى مجموعتنا في الواتساب
انضم الينا في الواتساب